« الإخلاص » كما أساء السابقون فهم الحرية والعبودية ، فاتخذوها مثلهم ذريعة للتحلل من التكليف والواجبات الدينية ؛ عن طريق المخالفة لكل ما يجرى عليه الجمهور ولو كان حقا ، هربا من الرياء كما توهموا ، وطلبا للإخلاص كما زعموا ، وهي الفكرة التي انحرف إليها بعض الملامتية وغيرهم ، ويبدو أن السراج في رحلته إلى العراق كابد بعضا منهم ؛ ولذا يقول : « وزعمت الفرقة الضالة من أهل العراق وغيره : أن الإخلاص لا يصح للعبد ، حتى يخرج عن رؤية الخلق ، ولا يوافقهم في جميع ما يريد أن يعمله ، كان ذلك حقا أو باطلا 41 .
ثم بين سبب ضلالهم : « وإنما ضلت هذه الفرقة لأن جماعة من أهل الفهم والمعرفة تكلموا في حقيقة الإخلاص ؛ ألا يصفو لهم ذلك حتى لا يبقى على العبد بقية من رؤية الخلق والكون وكل شئ غير اللّه - تعالى - ؛ فظنت هذه الفرقة وطمعت أن ذلك يصح لهم بالدعوى والتقليد والتكلف ، قبل سلوك مناهجها ، والتأدب بآدابها ، فأداهم الدعوى والطمع الكاذب إلى قلة المبالاة ، وترك الأدب ، ومجاوزة الحدود » 42 .
وهكذا ينتهى بهم الوهم والضلال إلى ترك الواجبات ومجاوزة حدود الشرع كالسابقين من أصحاب الحرية المغلوطة ، فيرد عليهم الشيخ قائلا :
« وقد خفيت عليهم - لشقاوتهم - أن العبد المطلوب بدرجة الإخلاص هو العبد المهذب ، الذي هجر السيئات ، وجرد الطاعات ، وعمل في الإرادات ، ونازل الأحوال والمقامات ، حتى أداه ذلك إلى صفاء الإخلاص .
فأما من هو أسير هواه ، ورهين نفسه وشيطانه ، وهو في :
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ ، لَمْ يَكَدْ يَراها
( النور : 40 ) فهو محجوب عن حال أهل البدايات ، فكيف يصل إلى ما بعد ذلك . . .
فهؤلاء كل يوم في ضلال يخسرون ، وفي طغيانهم يعمهون - أعاذنا اللّه وإياكم » 43 .
ويبدو أن نزعة التحلل من الأحكام الشرعية ، بين متصوفة عصر السراج ، قد تعللت فيما تعللت به ببعض الأفكار المستمدة من علم أصول الفقه ، أعنى فكرة الحظر والإباحة ، وأيهما الأصل في الأشياء ؟ فلذا يتصدى لها الشيخ قائلا :
« ثم زعمت الفرقة الضالة ، في الحظر