والإباحة ، أن الأشياء في الأصل مباحة ، وإنما وقع الحظر للتعدى ، فإذا لم يقع التعدي تكون الأشياء على أصلها من الإباحة . . . فأداهم ذلك بجهلهم ، إلى أن طمعت نفوسهم بأن المحظور ، الممنوع من المسلمين ، مباح لهم ، إذا لم يتعدوا في تناوله .
وإنما غلطوا في ذلك بدقيقة خفيت عليهم ، من جهلهم بالأصول وقلة حظهم من علم الشريعة ، ومتابعتهم شهوات النفوس في ذلك ؛ لأنهم سمعوا بمكارم الأخلاق ، وحسن عشرة ومؤاخاة كانت بين جماعة من المشايخ المتقدمين ، فجرى بينهم أحوال من رفع الحشمة والبسط بعضهم مع بعض ، حتى كان أحدهم يمر إلى دار أخيه ، ويمد يده فيأكل من طعامه ويأخذ من كسبه حاجته . . فظنت هذه الطائفة الضالة بالإباحة ، أن ذلك كان منهم على حال جاز لهم ترك الحدود ، أو أن يجاوز واحد متابعة الأمر والنهى ، فوقعوا - من جهلهم - في التيه ، وتاهوا ، وطلبوا ما مالت إليه نفوسهم ؛ من اتباع الشهوات ، وتناول المحظورات تأويلا وحيلا ، وكذبا وتمويها » 44 .
ثم يرد عليهم - بعد أن بين السببين الفكري والنفسي في ضلالتهم - بحجة جدلية أولا : « والذي زعم أن الأشياء في الأصل مباحة ، فهو قال : إن الأشياء في الأصل محظورة ، وإنما وقعت إباحتها بالأمر والنهى ، في التوسعة والرخص ، حتى لا يقع في الغلط » 45 .
وبالحجة الحاسمة ثانيا : « مع أن الحلال ما حلله اللّه - تعالى - والحرام ما حرمه اللّه - تعالى - وليس أحد من المؤمنين مستعبدا باستعمال الشرائع المتقدمة ، ولا باستعمال ما كان عليه الأوائل ، بل المؤمنون مستعبدون بالائتمار بما أمرهم اللّه تعالى به والانتهاء عما نهاهم اللّه عنه ، واجتناب ما اشتبه عليهم ؛ لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« الحلال بين والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات ، وحرام اللّه حمى ، فمن وقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » 46 .
ثم يضيف ثالثا : « وليس قول من زعم أن الأشياء في الأصل على الإباحة بأولى من قول من يقول : إن الأشياء في الأصل محظورة ، وإذا استملك لا يباح ذلك لأحد إلا بحجة ، وليس هذا من قياس النجاسة والطهارة : لأن الأشياء عند الفقهاء وجماعة من أهل العلم في الأصل طاهرة حتى يقوم الدليل على نجاستها .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 764
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٦٤