الأمر على هذه الجملة بنى قواعده ، وعلى هذا النحو سار سلفه ، فعلقت هذه الرسالة إليكم . . . لتكون لمريدى هذه الطريقة قوة ، ومنكم لي بتصحيحها شهادة ، ولي في نشر هذه الشكوى سلوة . ومن اللّه الكريم فضلا ومثوبة » 29 .
غير أن ما شكا منه القشيري يتضمن بدوره انحرافات عملية فرعية وأخرى اعتقادية أصلية ، فلنعد إلى صاحب اللمع لنرى أول نقد لانحرفات بعض المنسوبين إلى التصوف في الأصول .
الغلط في الأصول :
وهذا النوع أخطر من سابقه ، لأنه غلط في المفاهيم والأفكار والمعتقدات ، بما يخالف أصول الشرع أو مقتضيات تلك الأصول ؛ فهو يدخل في البدع الاعتقادية ، بينما يقتصر الغلط في الفروع على الخطأ في بعض الأعمال أو الآداب أو العادات ؛ ومن ثم كان الانحراف هنا أشد ، والفساد أكبر ، والمصيبة أعظم ؛ ولذا بالغ الشيخ في الإنكار على أهل الغلط في الأصول ، واعتبرهم جميعا ضلالا ، وتبرأ من بعضهم واعتبرهم كفارا ، وهذه نصيحة منه للدين ، وغيرة على الإسلام والمسلمين ، وإنصاف للتصوف الحقيقي والصوفية الصادقين .
ويمكن رد الانحرافات التي تعرض لها السراج في خواتيم كتابه ( اللمع ) إلى أمور خمسة هي :
1 - التحلل من الأحكام الشرعية .
2 - القول بالحلول .
3 - تفضيل الولاية على النبوة .
4 - ادعاء رؤية اللّه في الدنيا بالأبصار .
5 - الغفلة عن الفرق بين القديم والمحدث .
وسنعرض رده على هذه الدعاوى الباطلة والمفتونين بها ، لكنا نوجه النظر إلى لفتات بارعة من الشيخ في كيفية تسرب هذه الأفكار إلى عقول القائلين بها ، وتدسسها إلى نفوسهم ، ووجوه الضعف في معرفتهم التي أعانت على ذلك ، وتحذيراته للصوفية في عصره ، وفي كل زمان ، أن يقعوا فيما وقع فيه هؤلاء الغالطون ، فانتهى بهم إلى الضلال والانحراف عن