مضى عليه ألف عام ، يشعر أنه يصدق على طوائف كثيرة من المنسوبين إلى التصوف المترسمين به في عصرنا ، وهم في الحقيقة عبء عليه ، وعنوان سيئ له ، وضرر بالغ بقضية التدين عموما ، لا يقتصر أذاه عليهم ، بل يتعداهم إلى من حولهم من عوام المسلمين ، وقد واجه أبو القاسم القشيري ( ت 465 ه ) حالا شبيهة بهذه الحال ، دفعته إلى أن يرفع عقيرته بتلك الشكاية في مفتتح كتابه ( الرسالة ) :
« اعلموا - رحمكم اللّه - أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ، ولم يبق في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم كما قيل :
أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائها
حصلت الفترة في هذه الطريقة ، لا بل اندرست الطريقة بالحقيقة ، مضى الشيوخ الذين كان بهم الاقتداء ، وقل الشباب الذين كان بسيرتهم وسنتهم افتداء . . . وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ، ودانوا بترك الاحترام ، وطرح الاحتشام ، فاستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة . . . وركنوا إلى اتباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات ، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان .
ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال ، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال ، وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال ، وتحققوا بحقائق الوصال ، وأنهم قائمون بالحق تجرى عليهم أحكامه ، وهم محو وليس للّه عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتاب ولا لوم . . .
ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت ببعضه من هذه القصة - وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء - :
ولما أبى الوقت إلا استصعابا ، وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه ، واغترارا بما ارتادوه - أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا