بلا زاد ولا ماء ، ولا آلة الطريق ، وتوهموا أنهم إذا فعلوا ذلك نالوا ما نال الصادقون من حقيقة التوكل .
وقد غلطوا في ذلك لأن القوم الذين كان هذا دأبهم كانت لهم بدايات وتأدبوا بآداب ، وراضوا أنفسهم قبل ذلك بالمجاهدات . . . فمن فعل ذلك وتوهم أنه قد نطق بشئ من أحوال المتوكلين فهو في غلط » 23 .
ثم يذكر السراج خطر الغلو في العبادة ، وسلوك سبيل الرياضة من جانب بعض الشباب ، دون فقه بها ، أو رعاية من شيخ ناصح ، وخاصة في ترك الطعام والمنام والشهوة ، قال :
« ورأيت جماعة من الأحداث كانوا يقلون الطعام ، ويسهرون الليل ، ويذكرون اللّه تعالى على الدوام ، حتى كان أحدهم ربما يغشى عليه ، وكان يحتاج بعد ذلك إلى أن يداوى ويرفق به أياما ، حتى يقدر أن يصلى الفريضة .
وجماعة جبوا أنفسهم ، وظنوا أنهم إذا قطعوا ذلك سلموا من آفات الشهوة النفسانية ، وقد غلطوا في ذلك ؛ لأن الآفات تبدو من الباطن ، فإذا قطعت الآلة ، والعلة موجودة في الباطن ، لم ينفع ذلك ، بل يضر وتزداد الآفة . . » .
وهذا التفسير النفسي الدقيق يذكرنا بخطر مخالفة السنة من أمثال هؤلاء الشباب في الصدر الأول ، ولعمري إن لهم لنظائر في كل جيل :
« عن أنس رضي اللّه عنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى اللّه عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، وقالوا : أين نحن من النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ قال أحدهم : أما أنا فأصلى الليل أبدا ، وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا . فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فقال لهم : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما واللّه إني لأخشاكم للّه وأتقاكم للّه ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى » 24 .
أما الجانب الأخير من نقده ، لمسالك الصوفية في عصره ، فيتعلق بالدخلاء الواغلين ، الذين يتظاهرون بمظاهر الصوفية وشعائر التصوف ، دون حظ من حقيقة الأمر ، في الصدق
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 755
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٥٥