تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣
وقتنا هذا . ويختم هذا الصنف من الغلط والانحراف بذكر قوم آخرين انبسطوا في المباحات ، ولم يتكلفوا المراعاة للأوقات ، وقالوا : ما وجدنا أكلنا ، ونمنا ، فذلك وقتنا . وقد غلطوا في ذلك لأن الوقت إذا فات لا يدرك ، وليس الوقت ما يكون معمورا بالأرفاق ، إنما الوقت ما يكون معمورا بدوام الذكر ، ومربوطا بالإخلاص والشكر . . . والنفس والهوى والشيطان أعداء يطلبون فرصة الظفر بالعبد . . . فمن توهم أنه وصل إلى حال قد أمن من ذلك فهو في غلط » 18 . وما أحوج سالكى طريق الحق أن يعرفوا أن الغلو في المجاهدة دون منهج سليم ورعاية من شيخ عارف هو كالتبسط والتراخي والاغترار والأمن ، فكل أولئك يقطع عليهم الطريق ، ويحول دون الوصول إلى المأمول . أما عن الغلط الناشئ من عدم إحكام الأصول الأربعة في مجال الرياضة ، قلة الطعام والمنام والكلام ومخالطة الأنام ، فإن السراج الطوسي بدافع من خبرته التربوية ينعى على « جماعة من المريدين والمبتدئين ، سمعوا علم مخالفة النفوس . . فتركوا عاداتهم من الطعام والشراب ، ولم يستعملوا الأدب ( أي أصول التربية ) في ترك الطعام ، ولم يستبحثوا عن الأستاذين ( أي يطلبوا من الشيوخ ) آدابها . . وقد غلطوا في ذلك لأن المريد ينبغي أن يكون له مؤدب يوقفه على ما يحتاج من فسادها » 19 . ثم ينقل عن الشيوخ الخبراء برياضات النفوس سنة التدرج والاعتدال في تقليل الطعام : « سمعت ابن سالم يقول : كانوا إذا أرادوا أن يتقللوا ينقصون من طعامهم في كل جمعة مثل أذن السنور . وسمعته يقول : كان سهل بن عبد اللّه - رحمه اللّه - يأمر أصحابه أن يأكلوا اللحم في كل جمعة مرة حتى لا يضعفوا عن العبادة » 20 . وعن العزلة وترك المخالطة يقول : « وطائفة اعتزلت ودخلت الكهوف ، وظنوا أنهم بذلك يهربون من الخلق ، وينامون في الجبال والفلوات ( ليخلصهم ذلك ) من شر نفوسهم ، أو يوصلهم اللّه - تعالى - بالانفراد والخلوة إلى ما أوصل إليه أولياءه من
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 753 | محمود حمدي زقزوق