الأحوال الشريفة . . وقد غلطوا في ذلك ؛ لأن الأئمة من المشايخ الذين قل مطعمهم ، ودامت خلوتهم وانفرادهم ، واختاروا العزلة ، إنما حداهم على ذلك ودعاهم إليه داعى العلم وقوة الحال ، فورد على قلوبهم ما أذهلهم ، وشغلهم عن المعارف والأوطان .
وجذبهم جذبة أغناهم بها عمن سواه .
فمن لم يكن مصحوبه الحال وغلبة الوارد ، ثم يتكلف ويحمل على نفسه ما لا تطيقه ، يظلم نفسه فيدخل على نفسه الضرر ، ولا يدرك ما فاته ، ويفوته ما معه . . . » 21 .
وهكذا تكون العزلة أمرا مفروضا على الصوفي المتمكن لا المريد المبتدئ كما نجده في سيرة الإمام الغزالي مثلا إذا انطلق سائحا مفارقا للوطن كأنه مجبر مضطر ، ثم عاد إليه حين يسر اللّه ذلك في حال أقرب إلى الاختيار : « فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر ، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفل اللّه على لساني حتى اعتقل عن التدريس . . . ثم لما أحسست بعجزى ، وسقط بالكلية اختياري ؛ التجأت إلى اللّه - تعالى - التجاء المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب ، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة ، وأنا أدبر في نفسي سفر الشام . . . ففارقت بغداد ، وفرقت ما كان معي من المال ، ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال . . . ثم دخلت الشام وأقمت به قريبا من سنتين ، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة . . . ثم تحركت في داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة . . . ثم جذبتنى الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه » 22 .
[ بيان الطوسي حول خطر الدخول في الآثام ]
ولذا يؤكد الطوسي خطر الدخول في هذا المأزق لرغبة أو شهوة تتطلع إليها النفس ، دون عدة كافية من أدب وفقه ، فيقول : « وقوم هاموا على وجوههم ، ودخلوا البراري والبوادي ،