له بذلك ، ولم يعمل في الانقلاع عنها جهده ؛ يكون هالكا ، ولا يرجى خيره أبدا » 14 .
ثم ينتقل الشيخ بعد ذلك إلى مسألة التكسب والتوكل فيقول : « وطبقة أخرى من المتنسكين تعلقوا بأخذ القوت من الكسب ، وركنوا إلى أكسابهم . . . وقد غلطوا في ذلك ؛ لأن الكسب رخصة وإباحة لمن لم يطق حال التوكل ، لأن التوكل حال الرسول صلى اللّه عليه وسلم . . . وكذلك الخلق كلهم مأمورون بالتوكل على اللّه . . فمن ضعف عن ذلك ، ولم يطق فقد سن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الكسب المباح . . » 15 .
فلما خالفوا السنة ، وتركوا التكسب وتكلفوا التوكل وليسوا من أهله ، لم تصبر نفوسهم على تبعاته ، وعادت على أعقابها القهقرى ، وذلك أنهم سمعوا باجتهادات المتقدمين ، وما نشر اللّه بذلك أعلامهم . . فطمعت نفوسهم وتمنوا ، فتكلفوا شيئا من ذلك ، فلما طالت المدة ولم يصلوا إلى مرادهم كسلوا ، فلما لم يكونوا مرادين بذلك ، لضعف دعائمهم وفساد قصدهم ، توهموا أن ذلك فتور 16 .
ولعله يشير بذلك إلى معنى ما روى :
« ألا إن لكل عامل شرة ، ولكل شرة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى غيرها فقد هلك » فهو يفسر الفتور أو الفترة بقوله : « وقد غلطوا في ذلك ، لأن الفتور ما تتروح به قلوب المجتهدين وقتا دون وقت ، ثم تعود الحال ، فأما ما وقع فيه هؤلاء فهو الكسل والتوانى والأماني الكاذبة » .
ثم ينكر على من تعلقوا بالسياحات ولقاء المشايخ والاستكثار من ذلك على غير وجهه ، لأن القوم « إنما يسافرون حتى يشاهدوا من أنفسهم خلقا مذموما فيعملوا في تبديله . . . ولقاء المشايخ يحتاج إلى الأدب والحرمة والإرادة . . فمن ساح أو سافر ، أو لقى شيخا من المشايخ على غير ما ذكرت . . فهو في غلط عظيم » 17 .
وهذه الملاحظة كسابقتها تدل على معرفة دقيقة وبصيرة نافذة بأحوال المريدين ، ولعل شيوع أمثال هذه الظاهرة مما يثقل مسار الحركة الصوفية في كل حين ، وخاصة في
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 752
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٥٢