بكسبه - لكيلا يأكل الحرام - يعود فينبه على غلط قوم « طعنوا على المتكسبين وجلسوا معتمدين على حالهم ، مستشرفين إلى من يتفقدهم . .
وقد غلطوا في ذلك لأن الجلوس عن المكاسب ينبغي أن يكون من قوة اليقين والصبر ، فمن ضعف يقينه ، وغلب عليه طبعه وطمعه يؤمر بالدخول في الطلب ، والطلب مباح ، وترك الطلب بقوة الإيمان أتم وأفضل » 12 .
والذي يؤخذ على كلامه الأخير - مع دقته من الناحية النفسية - هو مقابلته بين التوكل واليقين من ناحية ، والتكسب والطلب من ناحية أخرى ، كأنهما متنافيان ، مع أن مباشرة أسباب الكسب لطلب الرزق لا تنافى التوكل على اللّه واليقين بما عنده .
أما مسألة الغلو في المجاهدة والعبادة أول الأمر ، والرجوع عنها إلى ما يشبه الكسل والتوقف على نحو يحول دون الوصول ، فمرجعه إلى عدم التزام أصل التربية والرياضة الروحية ، واستشارة الشيوخ العارفين كما سبق أن بينه ؛ « قال . . . ثم إن طبقة من الصوفية غلطت في العبادات والمجاهدات ، ورياضات النفوس ، فلم تحكم في ذلك أساسها ، ولم تضع الأشياء في موضعها ، فانهزمت ونكصت عن الكمال والنهايات . . . » 13 .
ويعود في نفس الوقت لينبه على خطأ من تمسك دائما بالتقشف والتقلل دون فهم ويقظة ، « وطبقة أخرى : تعلقوا بالتقشف والتقلل ، واعتادوا الدون من اللباس ، والقليل من القوت ، وظنوا أن كل من رفق بنفسه أو تناول شيئا من المباحات ، أو أكل شيئا من الطيبات ، أن ذلك علة وسقوط من المنزلة ، وكل حال غير الحال الذي هم عليه عندهم علة .
وقد غلطوا في ذلك ، لأن العلة كائنة في التقشف والتقلل ، كما أن العلة كائنة في الترقق والترفه ، والتقلل والتقشف بالعادة والتكلف ، معلول ، إلا أن يكون العبد مرادا بذلك وقتا من الأوقات ، أو يكون تأديبا له ، أو رياضة لنفسه ، فإذا شاهد آفاتها ، واستحل ملاحظة الخلق
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 751
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٥١