، حاضرة بعقولها ، محددة بخصائصها الفردية ؛ ومن ثم وعت خطاب اللّه جل جلاله ؛ فأجابت وهي بكل وعيها وتمييزها .
فالآية الكريمة تشير إلى مشهد حقيقي ، وتجربة حية ، فيها عرفت النفوس ربها ، وهو ما يطلق عليه الصوفية " المعرفة الأصلية أو القديمة " ويقولون في مواعظهم :
" لا تكونوا أبناء الدهر ، وكونوا أبناء الأزل " ؛ بقصد أن يوجه المرء كيانه الواعي كله بعد نزوله إلى الأرض ؛ ليظفر بمثل هذا اللقاء المباشر ؛ الذي يتلقى فيه عن اللّه بلا واسطة ، أو يظفر بصفاء نفس ينطق عنه ، وتفرغ إلى اللّه ، ولا شئ غير اللّه سبحانه .
ويرى هذا الفريق أن النفوس قد استدعيت لهذا اللقاء في الجنة أو في الأرض ، فحشرت إلى الحضرة الإلهية كهيئة الذّر ، مع تحقق عنصر التعقل في كل ذرة منها ، ومع وجود الخصائص المميزة لكل نفس على حدة . ، وقد يسمونه هذا المشهد « يوم القرر » أو يوم « ألست ؟ » .
وأصحاب هذا الاتجاه قد ركزوا عقلهم ووجدانهم ووعيهم كله في هذا النص القرآني ، فصار أحدهم مرددا إياه باللسان تارة ، وبالقلب تارة أخرى ، وقد استبطن مفهوم النص ، ودوام استحضاره له ؛ حتى طبع في ذاكرته وشعوره كتجربة فعلية تحدثت الآية عن ذكراها العطرة الخالدة ، أو على حدّ تعبير ذي النون المصري ( ت 245 ه ) ، بأن هذا النداء ما تزال ترنّ أصداؤه في الآذان ، ويعنى بذلك أذنه هو ، وتجربته الشخصية في حياته الروحية .
بل إن بعض رجال هذا الفريق ، وهو سهل التستري ، ينبئنا بأنه لا يتذكر هذا اليوم فحسب ، بل يتذكر الهيئة التي كان عليها ، ويتذكر رفقاءه ، ومن كان على يمينه ومن كان على شماله ؛ وبذلك استحال الميثاق لدى هذا الفريق من الصوفية إلى تجربة فعلية روحية ، وهو من أهم الجوانب للطريق الصوفي أو السلوك في نظر هذا الفريق .
وهناك فريق آخر من الصوفية ، يفسرون رأى هذا الفريق ويصفونه بالصدق من الناحية الشعورية لقائليه ، وإن كان ذلك الصدق الشعورى لا يعنى صدقه الواقعي ، فيقول أحدهم كابن عربى ( في
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 741
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٤١