تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 743

مساهمون:

ص٧٤٣
قبل تغربها في هذه الأرض . وكل هذا في رأينا تجربة روحية لا تمت بصلة إلى مذهب الفيض الذي أتت به الأفلاطونية المحدثة في التراث الهلينستى ، وإن تكلف ذلك بعض الباحثين 10 . هذا وإن ظاهرة ارتياح النفس إلى المناظر الطبيعية الجميلة ، لهو أمر طبيعي تشهد له تجاربنا جميعا ، على اختلاف نوازعنا وأحوالنا . وفي وسع أي إنسان أن يقول عن تلك المناظر إنها جميلة ، إذا أراد أن يعلل ارتياحه إليها ، لكنه قد لا يستطيع أن يفسر السبب الذي جعل الجمال متعة بعينه . وقد اختلف الصوفية في تفسير كلمة الإشهاد أو الاستدعاء في آية الميثاق ، فكل عبّر عن رأيه ، وكل له وجه نظر يستفاد بها ، دون وقوع تناقض أو تضارب بين الرأيين ، ودون سدّ باب الاجتهاد أمام الآراء الأخرى : فالتسترى وذو النون ومن تبعهما ، يرون أن كلمة الاستدعاء كانت لإثبات الربوبية ، ولابد أن تقتضى الربوبية مربوبا ، أي كائنا مخلوقا تظهر عليه دلائل الربوبية وملاحقها . ولا يتم ذلك على الوجه الأكمل ، إلا إذا كانت الأنفس أو الأرواح متمتعة بكيان إيجابي مستقل ، ينطق إيجابيا بمربوبيّته للّه عند استشهاده ؛ " ألست بربكم " فيقول : " بلى " ، ولا يصدر هذا القول إلا عن كائن عاقل واع . وأما الجنيد وأنصاره ؛ فإنهم يرون أن الاستدعاء كان يهدف في نهايته إلى إثبات " الوحدانية " ، ولا تثبت الوحدانية فعلا إلا بفناء ما عداها ومن عداها ؛ لتكون الحالة ترجمة حقيقية عن هذه الوحدة ؛ لقوله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
حيث قدم اللّه - تعالى - شهادة لنفسه بنفسه ؛ حين لم يكن سواه سبحانه . ثم قالت الآية :
وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
ومعنى ذلك لديهم أن هذه الشهادة لم تطلب إلا من فئات خاصة بعد شهادة اللّه ذاتها . هذا وإن كل ما يشير إليه الصوفية هنا في الميثاق ، يدل على أن هذه المعرفة الخاصة بهم مباشرة ، وليست عن طريق وسائط ؛ فالصوفى هنا قد وجد ، لا قد علم . كما أن هذه المعرفة متجددة ، ومن ثم فهي متغيرة ؛ لأنها تعكس رؤية الصوفي وتجربته ، أكثر مما تصور الحقيقة في كمالها ، وكل أولئك بعيد عن أي ادعاء للوحي 11 .