وقد أدلى علماء الإسلام كل بدلوه ، في تفسير الآية الأولى :
- فمنهم من ذهب إلى أنها تشير إلى حادث تاريخي خاص بفئة أو بأمة معينة من الناس .
- ومنهم من فسّرها على أنها تعبير عن لقاء فعلىّ بين اللّه وجميع الخلق ، قبل أن تتلبس أرواحهم بأبدانهم ، أي وهم في صلب آدم ، فأخذ عليهم الميثاق بأن اللّه ربكم لا إله سواه ، وهو قول مجاهد 6 .
- ومنهم - وهم فريق العقلانيين - من رأى أن الآية لا تعنى أكثر من أن اللّه جل جلاله ، قد وضع في الإنسان عقلا يستطيع أن يتعرف به عليه ، وأن يقرّ بربوبيّته ضرورة ، لأن دلالة العقل على اللّه دلالة ضرورية ؛ فكأن اللّه استشهد الناس ، وكأن الناس قد شهدوا فعلا بالربوبية عن طريق عقولهم 7 ، ففي الآية نوع من التعبير المجازى عن هذه الفطرة الإنسانية .
أما عن وقوع لقاء بهذه الصورة في عالم الذر فإنه في رأى هؤلاء لم يتم ؛ لما يترتب عليه من نتائج عقلية ودينية غير مقبولة لهم . وهؤلاء العقليون قد رأوا أن الآية لا تعنى أكثر من ذلك القدر المشترك بين الناس جميعا ، وهو العقل والتمييز والفطرة الإيمانية .
كما يستند هؤلاء إلى أدلة عقلية أخرى على ما ذهبوا إليه ؛ منها :
أ - استحالة وقوع ذلك اللقاء والخطاب بعد اتصال الأرواح بالأبدان ، وإلا لأمكن لكل إنسان أن يتذكره ؛ لأن المعقول أن يكون ذلك عند بلوغ الإنسان مرحلة التكليف وفهم الخطاب ، وهذا غير واقع 8 .
ب - ويستحيل كذلك في نظرهم أن يكون قبل تلبس الأرواح بالأبدان ؛ لأن في ذلك تسليما بسبق وجود الروح للبدن ؛ وهو ما يرفضونه لأنه يستدعى قدمها ، ولا قديم إلا اللّه تعالى .
ج - وقد يفترض إمكان سبق وجود الروح على البدن بقدر من الزمان ؛ بحيث لا يقال إنها قديمة ؛ فإن تعددها وتميزها وتحددها ، لا يظهر له - في رأيهم - أساس عقلي مفهوم ؛ لأن الأرواح إنما تتميز بعد تعلقها بأبدانها ، وظهور انطباعاتها وتصرفاتها فيها ، المترتبة على هذا التحقق .
ويمكن أن نلاحظ على هذه الأدلة ما يلي :
أنها أولا : تقوم على أساس
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 739
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٣٩