الفتوحات ) ما ملخصه :
إن الخطاب الإلهى قد خطر في ذاكرة هؤلاء ؛ نتيجة التخيل المركز حتى ثبت 9 .
على أن آية الميثاق الأولى قد أشارت إلى غفلة البعض عن الخطاب الإلهى ؛ حيث جاء فيها :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
.
ومن جانب آخر يجب أن نلتفت إلى الآية التي تلى الآية السابقة ، والتي تدل على عدم تمكين الأبناء من الاحتجاج بإشراك الآباء ، وتبعيتهم لهم في ذلك ، يقول اللّه تعالى :
أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
( الأعراف : 173 ) .
ومعنى هذا أن العدل الإلهى قد اقتضى أن يكون كل فرد في مستوى المسؤولية المستقلة ؛ حيث لا تزر وازرة وزر أخرى .
أما الفريق الآخر وعلى رأسه سيّد الطائفة الجنيد ( ت 297 ه ) ؛ فإنه قد اتفق مع الفريق الأول ، في كون الميثاق قد تم فعلا قبل الهبوط إلى هذا العالم
، لكنه يرى أن مرتبة وجود الخلائق في تلك المرحلة ، كانت أقل بكثير من الناحية الإيجابية ، من تلك المرتبة التي أشار إليها أصحاب الفريق الأول .
فلقد كان الخلق فيما يرى الجنيد حقائق متميزة بحضرة اللّه عز وجل ، ولكن هذه الحقائق لا تتمتع بأي وجود سوى ما يمنحه اللّه جل جلاله لها بمقتضى الحكمة الإلهية . وعلى ذلك فلم تكن إجابة الخلق على السؤال الرباني : " ألست بربكم " إلا نتيجة لتدخل إلهي ، حتى إن الجنيد ليرى أنها إجابة تولاها اللّه عنهم ؛ لأنهم كانوا في حالة فناء أو عدم ، بحكم قانون الحضرة الإلهية التي لا يقف أمامها أي كائن إلا أن يشاء اللّه ؛ فيهب لتلك النفوس ما به تقوى على روعة ذلك اللقاء .
وحتى في هذه النقطة ، لا يمكن أن تدعى تلك النفوس أي شئ من الإيجابية بين يدي اللّه عز وجل . بل ذهب الجنيد إلى أبعد من هذا ، حين أشار إلى تغّرب أرواح الأفذاذ من الأولياء وتألمها للفراق المفجع الذي يعانيه من جرّاء بعدها عن هذا المقام الأول ، بل إن هذه النفوس أو الأرواح قد تستروح لرؤية مظاهر الجمال الطبيعية من خضرة وماء وقبة زرقاء لما له من نسب إلى ما في نفوسهم من شواهد الجمال المطلق