ننجده عند أهل التصوف في الإسلام .
وفكرة الميثاق يشير إليها القرآن الكريم في كثير من آياته ، ولكن الآية المعنية في هذا الصدد هي الآية التي ذكرناها هنا .
وهذه المعرفة تتصل بالتجربة أكثر من اتصالها بالفكر والنظر والتأمل .
ولهذا اللون من المعرفة الخاصة يعزو الصوفية صفات معينة :
أولى تلك الصفات : أنها مباشرة وليست عن طريق وسائط عادية من وسائل التعليم المعروفة ، فالصوفى لم يتلقها عن النقل والسماع ، أو التعليم النظري ، وإنما توصل إليها بالتجربة المباشرة ، وتكاد تقول إن الصوفي هنا قد وجد لا قد علم ، ولا يعنى ذلك بالضرورة أن الصوفي في هذا يتلقى وحيا مثل الأنبياء .
أما الصفة الثانية لهذه المعرفة ، فهي أنها متجددة ، ومن ثم فهي متغيرة ؛ الأمر الذي يدل على أن هذه المعرفة تعكس نظر الصوفي أكثر مما تصور الحقيقة في كمالها وتمامها . ومن أجل هذا نجد الصوفية يقرون بالعجز التام عن اكتناه واستيعاب الحقيقة الإلهية ، وأنه في نفسه أجل معرفة وأتمها ، ولهذا أجاب " ذو النون " عن السؤال : كيف عرفت اللّه ؟ : " عرفت اللّه باللّه ، وعرفت ما سوى اللّه برسول اللّه " 20 .
ويذكر " ابن القيم " علامة المعرفة وأماراتها فيقول : " من أمارات المعرفة باللّه :
حصول الهيبة منه ، وهي توجب السكون ، وأنس القلب باللّه ، وإحساس القلب بقربه من اللّه . . وليس لعارف علاقة ، ولا محب شكوى ، ولا لعبد دعوى ولا لخائف قرار ، ولا لأحد من اللّه فرار ومن كان باللّه أعرف كان له أخوف .
ومن عرف اللّه ضاقت عليه الدنيا بسعتها ، ومن عرف اللّه اتسع عليه كل ضيق ، فإنه يضيق عليه كل مكان لا يساعد فيه على شأنه ومطلوبه ، ويتسع عليه ما ضاق على غيره ، لأنه ليس فيه ، ولا هو مساكن له بقلبه ، فقلبه غير محبوس فيه . ومن عرف اللّه صفا له العيش ، فطابت له الحياة ، وهابه كل شئ ، وذهب عنه خوف المخلوقين ، وأنس باللّه ، وقرت عينه باللّه ، وقرت عينه بالموت ، وقرت به كل عين . ومن لم يعرف اللّه تقطع قلبه على الدنيا حسرات . ومن عرف اللّه لم يبق له رغبة فيما سواه . ومن عرف اللّه أحبه على قدر معرفته به ، وخافه ورجاه ، وتوكل عليه ، وأناب إليه ، ولهج بذكره ، واشتاق إلى لقائه ، واستحيا
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 718
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧١٨