وأن العارف يرى الحق في الخلق ، كقول بعضهم : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله .
والعارف في مقام البقاء ، والفاني مجذوب في مقام الفناء . والفاني سائر ، والعارف متمكن واصل ، ومن أحب اللّه لم يؤثر عليه شيئا من حظوظه وهو نفسه ، ولو كان فيه حتف أنفه . فالمعرفة أعلى المقامات ، وقبلها الفناء 15 .
وللعارفين مقامات ودرجات يختصون بها دون غيرهم في حياتهم الدنيا فكأنهم قد خلعوا أبدانهم وتجردوا منها ذاهبين إلى عالم القدس ، " ولهم أمور خفية فيهم ، وأمور ظاهرة عنهم ، يستنكرها من ينكرها ، ويستكبرها من يعرفها " 16 .
ومن هنا تحسن مجالستهم ، وتطيب عشرتهم ، فإن هذه المجالسة تدعو من يجالسهم من ست إلى ست : " من الشك إلى اليقين ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الغفلة إلى الذكر ، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الطوية إلى النصيحة " 17 .
وأول مقام في المعرفة - كما يقول سهل بن عبد اللّه التستري - " أن يعطى العبد يقينا في سره تسكن به جوارحه ، وتوكلا في جوارحه يسلم به في دنياه ، وحياة في قلبه يفوز بها في عقباه " 18 .
ويمكن القول بأننا لا نجد تعريفا موحدا للمعرفة عند الصوفية ، بل اختلفت التعريفات عندهم باختلاف النظرة إلى الأمور ، ولعل السبب في هذا أن التصوف تجربة مباشرة ذاتية ، ومن ثم فكل واحد منهم يعرفها بحسب ما يجده في تجربته ، وقد تتشابه التجارب وقد لا تتشابه ومن ثم تتخذ المعرفة الصوفية أسماء مختلفة بحسب الأشكال أو المراحل أو الأحوال التي تتحقق فيها النفس .
ولعل أول من تكلم في المعرفة الصوفية هو " معروف الكرخي " المتوفى في سنة 200 هجريا وهو من أوائل الصوفية 19 ، فهو من صوفية المائة الثانية من الهجرة .
ب - أساس المعرفة وصفاتها :
يمكن القول بأن الأساس الذي بنى عليه الصوفية نظريتهم في المعرفة والفناء ، والتوحيد ، هو " الميثاق " الوارد في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا
( الأعراف : 172 ) .
فالميثاق هو أساس المعرفة ، بحسب ما