لا ينكر شيئا ، ولا يجهل شيئا ، وقد قال بعض العارفين : ليس في الإمكان أبدع مما كان .
2 - والأدب الثاني من آداب الحضرة القدسية ، ترك الرعونات ؛ فمن آداب العارف أن يكون كامل العقل ، ثاقب الذهن . ومن علامة العقل انتهاز الفرصة في العمل ، ومبادرة العمر من غير تسويف ولا أمل ، فالرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » . فإحالة الإنسان العمل وتأخيره إلى وقت آخر يكون فيه فارغ القلب أو القالب من علامة الرعونة والحمق ، وهو غرور . « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة والفراغ » .
3 - والأدب الثالث : إقامة العارف حيث أقامه اللّه ؛ فمن آداب العارف الاكتفاء بعلم اللّه والاستغناء به عما سواه ، فإذا أقامه اللّه تعالى في حال من الأحوال فلا يستحقرها ويطلب الخروج منها إلى حال أخرى ، يقول سبحانه :
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
( الإسراء : 80 ) .
4 - والأدب الرابع : هو رفع الهمة عن الأكوان ودوام الترقي في مقامات العرفان .
5 - والأدب الخامس : هو ترك الطلب من حيث هو . فالسكوت تحت مجارى الأقدار أفضل عند العارفين من التضرع والابتهال .
6 - والأدب السادس : هو التسليم والرضا بما يجرى به القدر والقضاء ؛ وحقيقة الرضا : تلقى المهالك بوجه ضاحك .
وحقيقة التسليم : استواء النقمة والنعيم ، بحيث لا يحتار في أيهما يقيم .
7 - والأدب السابع : هو دوام المراقبة ومواصلة المشاهدة ؛ فمن آداب العارف ألا يستغرب شيئا من تجليات الحق ، ولا يتعجب من شئ منها ، كائنة ما كانت ، جلالية أو جمالية .
8 - والأدب الثامن : هو أن يكون تصرفه باللّه وللّه من اللّه وإلى اللّه ؛ فالحاصل أن تصرفات العارف كلها باللّه عز وجل 14 .
ويفرق " ابن عجيبة " بين " العارف " و " الفاني " ، فهو يرى أن " العارف " يثبت الأشياء باللّه ، و " الفاني " لا يثبت شيئا سوى اللّه ، وأن العارف يقرر القدرة والحكمة ، والفاني لا يرى فيه إلا الحق ، فيقول : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه إلا القدرة ،