تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 714

مساهمون:

ص٧١٤
وتخليص صفاتها من صفات غيرها . رابعها : أنه لو قال إنسان : علمت زيدا ، فإنه لا يفيد المخاطب شيئا ، لأنه ينتظر أن يخبره على أي حال علمه ؟ فإن قال : علمته كريما أو شجاعا ، حصلت له الفائدة وإذا قال إنسان : عرفت زيدا ، استفاد المخاطب أنه أثبته وميزه عن غيره ، ولم يبق المخاطب منتظرا لشئ آخر . وهذا الفرق - في الواقع - إيضاح للفرق الذي قبله . خامسها : أن " المعرفة " علم بعين الشئ مفصلا عما سواه ، بخلاف " العلم " فإنه قد يتعلق بالشئ مجملا . وهذا يشبه فرق " الهروي " صاحب المنازل ، فإنه قال : " المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو " ، وعلى هذا الحد : فلا يتصور أن يعرف اللّه البتة ، ويستحيل عليه هذا الباب بالكلية ، فإن اللّه - سبحانه - لا يحاط به علما ، ولا معرفة ، ولا رؤية ، فهو أكبر من ذلك وأجل وأعظم ، قال تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
، بل حقيقة هذا الحد : انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات حتى بأصغرها ، وهو الشمس والقمر ، بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه وذاته البتة 5 . والفرق بين " العلم " و " المعرفة " عند أهل التصوف : أن " المعرفة " عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه . فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده ، بل لا يصفون بالمعرفة إلا من كان عالما باللّه ، وبالطريق الموصل إلى اللّه ، وبآفاتها وقواطعها ، وله حال مع اللّه تشهد له بالمعرفة . فالعارف عندهم من عرف اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله ، ثم صدق اللّه في معاملته ، ثم أخلص له في قصوده ونياته ، ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته ، ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته ، ثم صبر على أحكام اللّه في نعمه وبلياته ، ثم دعا إليه على بصيرة بدينة وآياته ، ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله ، ولم يشها بآراء الرجاء وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم . فهذا الذي يستحق اسم العارف 6 . والعالم هو الذي أطلعه اللّه تعالى على معرفته علما وبيانا وحجة وبرهانا بطريق العقل والدلائل العقلية والنقلية . والعارف من أشهده اللّه ذاته وصفاته وأفعاله بطريق الكشف وأطلعه على معرفته بالذوق والوجدان 7 . والمعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق كلها ، وتعلقه بمعروفه وهو اللّه
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 714 | محمود حمدي زقزوق