تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 713

مساهمون:

ص٧١٣
العالم قائم بنفسه ، والعارف قائم بربه " 4 . أما " ابن القيم " فيفرق بين " العلم " و " المعرفة " من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ : ففعل " المعرفة " يقع على مفعول واحد ، وأما فعل " العلم " فيقتضى مفعولين ، وإن وقع على مفعول واحد ، كان بمعنى المعرفة ، كقوله تعالى :
وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
( الأنفال : 60 ) . وأما الفرق المعنوي فمن وجوه : أحدها : أن " المعرفة " تتعلق بذات الشئ . و " العلم " يتعلق بأحواله ، فتقول : عرفت أباك وعلمته صالحا عالما . ولذلك جاء الأمر في القرآن الكريم بالعلم دون المعرفة ، كقوله تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ ، لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
( محمد : 19 ) ، وقوله سبحانه :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
( المائدة : 98 ) ، وقوله جل شأنه :
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
( هود : 14 ) . فالمعرفة ، حضور صورة الشئ ومثاله العلمي في النفس . والعلم ، حضور أحواله وصفاته ، ونسبتها إليه . فالمعرفة تشبه التصور ، والعلم يشبه التصديق . ثانيها : أن المعرفة - في الغالب - تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه . فإذا أدركه قيل : عرفه ، أو تكون لما وصف له بصفات ، قامت في نفسه ، فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها ، قيل : عرفه ، قال اللّه تعالى :
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ ، مُنْكِرُونَ
( يوسف : 58 ) ، وقال سبحانه :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ، كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
( الأنعام : 20 ) لما كانت صفاته معلومة عندهم ، فرأوه : عرفوه بتلك الصفات . وفي الحديث الصحيح : " إن اللّه تعالى يقول لآخر أهل الجنة دخولا : أتعرف الزمان الذي كنت فيه ؟ فيقول : نعم ، فيقول : تمن . فيتمنى على ربه " ، وقال تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
( البقرة : 89 ) . فالمعرفة : تشبه الذكر للشئ ، وهو حضور ما كان غائبا عن الذكر ، ولهذا كان ضد المعرفة : الإنكار ، وضد العلم : الجهل . قال سبحانه :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها
( النحل : 83 ) ويقال : عرف الحق فأقر به ، وعرفه . ثالثها : أن المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره ، و " العلم " يفيد تمييز ما يوصف به من غيره . وهذا الفرق غير الأول ، فإن ذاك يرجع إلى إدراك الذات ، وإدراك صفاتها . وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها ،