تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
تغيير عاداته الخلقية وأنماطه السلوكية وصفاته الذاتية ، ويصف ابن سينا في الإشارات والتنبيهات العارف بأنه : هشّ ، بشّ ، بسّام ، يجلّ الصغير من تواضعه ، كما يجلّ الكبير ، والعارف لا يعنيه التجسّس والتحسس ، وإذا أمر بالمعروف أمر برفق ناصح ، لا بعنف معيّر ، وهو شجاع ، وكيف لا ، وهو بمعزل عن تقية الموت ، وجواد وكيف لا ، وهو بمعزل عن محبة الباطل ، وصفّاح ، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تجرحها ذات بشر . أما الصوفية ، فليست غاية الذات - عندهم أن تتأمل شيئا ، بل أن تشهد الحق وحده ، ولا تشهد مع الحق سببا ولا وسيلة ولا رسما البتّة . فتنتفى عنها الكدورات البشرية كما ينتفى الخبث من الحديد ، وتتخلّق بأخلاق اللّه وبأخلاق أقرب الناس إلى اللّه - عز وجل - وهو الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ثالثا : يرى الصوفية أن السالك لا يمكن أن يقف جامدا - كما هو حال العارف عند ابن سينا ؛ ينتظر الفيوضات النورانية ، ويتربص بالإلهامات القدسية لكي تسطع على مرآة نفسه . لكن لابد للسالك من حركة صعودية في سلم الرقى لكي يصل إلى مقام القرب من الحضرة الإلهية ، وهي الحركة التي لا تتاح للنفس عند ابن سينا إلا عندما يحين أجلها بالموت . غير أن الصوفي قلق يشتعل قلبه بالشوق ، ولا يصبر على البقاء ساكنا في غربته الإنسانية على هذه الأرض ، ولا يطيق أن ينتظر الأجل المضروب والموت الطبيعي ، بل هو يسعى في حياته الدنيا هذه ، رغم كل القيود والشواغل التي تكبلّ حركته ، وضغط الأغيار عليه وتشتيتها لجماع نفسه ، يسعى بتجربته الذاتية المعتمدة على القلب في النهاية أن ينطلق ، ويتحرك حتى يصل إلى « الفناء » حيث يتلخص من نزعاته وأهوائه وإرادته الخاصة . رابعا : ولعل هذا هو الذي طبع نظرية الاتصال عند ابن سينا بطابع السكون وعدم الحركة ، نجد العروج فيه ساكنا ، وهو عروج تأمل وفكر ، وليس هو بعروج وجداني ينتظم كلّ الملكات . فالسالك في قصة ابن سينا ساكن لا يبرح مكانه ، وإنما تعرض عليه صور الأشاء وكأنها مشاهد يتأمّلها دون أن يحفزه الشّوق على محاولة الانطلاق لتحصيل مقصوده . . أما السالك عند الصوفية فيساوره القلق ويتجافى عن المقام وينازع الشواغل والقيود لكي ينطلق ، وهو ينفعل بالمرائى
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 704 | محمود حمدي زقزوق