أعتقد أن بوسعنا الآن أن نتوقف قليلا لإجراء مقارنة بين المعراج الفلسفي عند ابن سينا ، والمعارج الصوفية ، ونلخص ملامح هذه المقارنة فيما يلي :
أولا : كان الاتجاه الفلسفي الذي يمثّله ابن سينا يرى أن العالم المادي يبدو وكأنه على مسافة من الباري - جلّ وعلا - وهو رأى متأثر بالفلسفة اليونانية - كما هو واضح - ومن ثم فإن الفكر والتأمل هو وحده الذي يملك صلاحية الاتصال بالملأ الأعلى .
فلا تتيسّر للنفس العودة إلى أصلها العلوي إلا بالتفكّر والتأمل ، بمعنى تعويد الذهن على التعامل مع التصورات البعيدة عن المدركات الحسية ، وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان قادرا في النهاية على تصوّر الأمور المفارقة للمادة ، فتصبح النفس حينذاك مجلوّة كالمرآة لتقبّل إشارات العالم الروحاني ، وفيوضاته في شكل إشراقات نورانية تلوح ، وكأنها بروق خاطفة .
ثم تتابع هذه البروق ، وتتوالى كلما كانت النفس أكثر تقبلا واستعدادا 14 .
أما الصوفية ، فيرون أن الحق - تعالى - ليس بعيدا عنا بحيث إذا أردنا أن نحقق الصلة بيننا وبينه ، فإننا نقترب بقطع مسافة أو مسيرة زمن ، بل يتطلب هذا الاتصال من السالك أن يبذل جهدا خارقا لكي يتبدل شعوره ، ويمضى مخترقا هذا العالم المادي كله بما فيه من عوالم وأفلاك ، وبما يعجّ به من مظاهر ، فيثبت إرادته الخالصة في القرب من الحق تعالى ، وهو أمر يبدو عسيرا منذ الوهلة الأولى ، يقول أحد شعراء الفرس في هذا المعنى : أحفنة تراب أمام كلّ هذا الفلك الهائل الدوّار ؟
لكن الأمر كله معلّق في النهاية بالإرادة والعزيمة في ذاك القلب .
فالتعويل عندهم إذن على الإدارة والشوق ، وطيران السّرّ ، ثم على الفضل الإلهى .
ثانيا : غاية المعراج عند الفيلسوف أن يتعهّد نفسه بالتأمل في الجواهر المفارقة حتى تصبح هذه النفس مرآة مجلوة يحاذى بها العارف شطر الحق تعالى كما يقول ابن سينا ، فتنعكس عليه الإلهامات النورانية والفيوضات والمعارف ، ويصير عالما عقليا ترتسم فيه صورة الوجود كما هو في الحقيقة بأكمله ، وقد يغيب العارف عن نفسه تلك ، فيلحظ جناب القدس فقط .
وتنعكس هذه الحالة على العارف في
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 703
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٠٣