الأبصار ، وغرّدت وهي صاعدة إلى عل ؛ وفيما يلي بعض أبيات القصيدة 8 :
هبطت إليك من المحلّ الأرفع * ورقاء ذات تعزّز وتمنّع
محجوبة عن كل مقلة عارف * وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وأظنّها نسيت عهودا بالحمى * ومنازلا بفراقها لم تقنع
تبكى إذا ذكرت ديارا بالحمى * بمدامع تهمى ولمّا تقلع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى * ودنا الرّحيل إلى الفضاء الأوسع
سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت * ما ليس يدرك بالعيون الهجّع
وغدت تغرّد فوق ذروة شاهق * والعلم يرفع كلّ من لم يرفع
وللإمام أبى حامد محمد الغزالي ( المتوفى سنة 505 ه / 1111 م ) رسالة بالعربية سماها " رسالة الطير " ( وردت في مجموعة « الجواهر الغوالي من رسائل حجة الإسلام الإمام الغزالي » 9 ، ذكر فيها أن أصناف الطيور اجتمعت ، وزعمت أنه لا بد لها من ملك ، واتفقوا على أنه لا يصلح لهذا الشأن إلا " العنقاء " وهي مقيمة ببعض الجزائر في الغرب ، فجمعتهم داعية الشوق وهمة للوصول إليها فتناشدوا وقالوا :
قوموا إلى الدّار من ليلى نحيّيها * نعم ، ونسألها عن بعض أهليها
فناداهم من الغيب مناد يقول لهم « لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ولازموا أماكنكم ولا تفارقوا مساكنكم . فلما سمعوا نداء التعذّر من جناب الجبروت ، ما ازدادوا إلا شوقا وقلقا وأرقا وقالوا :
ولو داواك كلّ طبيب إنس * بغير كلام ليلى ما شفاكا
فقيل لهم أنتم مقبلون على وديان عميقة ، وجبال شاهقة ، وبحار مغرقة ، وأماكن القر ، ومساكن الحرّ ، فربما اخترمتكم المنية قبل بلوغ الأمنية ، فالأحرى بكم مساكنه الأوكار قبل أن يستدرجكم الطمع . والطيور لا تصغى إلى هذا القول ، ولا تبالى ، بل رحلت بالهمة والشوق معا ، فهلك منهم طيور كثيرة في الطريق ، حتى أشرفوا على جزيرة الملك ، فرفض الملك لقاءهم ، وقيل لهم : أتعبتم أنفسكم ، فنحن الملك شئتم أو أبيتم ، جئتم أو ذهبتم ، لا حاجة بنا إليكم فأحسّوا بالعجز ، وبهرتهم العزّة ، وقالوا : لا سبيل لنا إلى الرجوع ، فقد تخاذلت القوى ،