تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 698

مساهمون:

ص٦٩٨
عن هدفه الأسمى . ثانيا : جرت القصة في المنام ، لكنها بدت ، وكأنها تجربة حية نابضة ، ولا نعنى بالتجربة هنا التجربة المادية المعملية ، أو التجربة النّفعية التي تقاس بما لها من آثار ناجحة ، وإنما نعنى بها انفعالا وجدانيا يستغرق الإنسان بكل وجدانه وكيانه . كانت تجربة أبى يزيد حافزا دفع عددا من كبار الفلاسفة والصوفية والأدباء العرب والفرس والهنود على حد سواء لارتياد هذا المجال واقتحام ميدان التجربة بمنطلقات شتى ومداخل متعددة ، فقدموا لنا في النهاية مجموعة من الأعمال والآثار الفكرية والأدبية تنطوى على مشاهد ، تعد في الواقع من أروع مشاهد الفكر الإنسانى بعامة .

المعارج الفلسفية :

يقسم الفلاسفة الموجودات إلى قسمين : موجودات روحانية ، وموجودات جسمانية : أما الروحانية فأهمها العقل الفعال ، وأما الجسمانية فهي عبارة عن عالم الأفلاك ، وعالم الكون والفساد ، وهو ما دون فلك القمر . وكل ما في عالم الفساد يزول ويفنى ، لكن نفس الإنسان لانتمائها إلى العالم العلوي لا تتعرض للفساد . . والنفوس الإنسانية العاقلة هي التي تسعى إلى عالمها الروحي الذي أهبطت منه ، حيث النعيم المقيم . تناول ابن سينا ( المتوفى سنة 428 ه / 1036 م ) قضية عروج النفس إلى الملأ الأعلى من الوجهة الفلسفية في كتابيه " النجاة " ، و " التنبيهات والإشارات " ، وفي رسالة كتبها بالفارسية بعنوان " معراجنامه " أي رسالة المعراج . لكنه فيما يبدو وجد أن من الأوفق أن يتناول القضية بطريقة أدبية ، وبأسلوب رمزى ، فألف في الموضوع قصتين رمزيتين هما « حي بن يقظان » و « رسالة الطير » وعرض للفكرة نفسها في قصيدة عربية مشهورة له عن النفس . تحدث فيها عن هبوط النفس من عالمها العلوي الأرفع دون أن تراها الأعين أو تدركها الأفهام ، حيث تلقاّها الجسم على كره منها لكنها ألفت وضعها الجديد ، وبدا عليها أنها نسيت أصلها العلوي ، بيد أنها كانت إذا تذكّرت ذلك الأصل أخذت تبكى ، وتنوح وتسجع سجع الحمام ، فلما قربت عودتها إلى الأصل تغنّت وهلّلت حين أبصرت ما لا تدركه