ويبكون ، فقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم : عرفت فالزم ، بذر اللّه الإيمان في قلبك » 6 .
فمعراج المؤمن الروحي أمر ممكن غير مستبعد عند صوفية المسلمين ، بشرط تربية النفس وترويضها على العزوف عن الدنيا ، والإقبال على الملأ الأعلى والشوق إلى الحق تعالى .
انتقال المعراج إلى الأدب الإسلامي :
خامرت فكرة نزوع النفس إلى الملأ الأعلى عددا من كبار الشخصيات الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى للإسلام ، وتبدو لنا محاولة من أنبل المحاولات في الفكر الإسلامي للانتقال بالموضوع من مجال الموروث الديني إلى نطاق التناول الأدبي .
وكان الصوفي المعروف أبو يزيد البسطامي من أوائل الصوفية الذين تحدثوا عن معراج وقع له في المنام - ورؤيا الأولياء عند الصوفية أثر من آثار النبوة - رأى فيه كأنه قد عرج به إلى السماوات قاصدا إلى اللّه تعالى ، وكان يعرض له في كل سماء ما يجلّ عّن الوصف من المشاهد الطيبة الحسنة ، وتدعوه الملائكة في كل سماء للمقام بينها ، وهي تعجب من أمره لأنه آدمي ترابىّ ، وليس بملائكى نوراني ، فكيف يتسنى له بلوغ هذا المقام ، لكن أبا يزيد كان يعرض عنها قاصدا وجه الحق تعالى ، يحفزه الشوق إلى مواصلة السّير والارتحال ، وكان كلما ارتقى في سلّم العروج يزداد نوره بالتدريج حتى غدا نوره ألمع من نور الملائكة .
ولما وصل إلى السماء السابعة ناداه مناد : يا أبا يزيد ، قف ، قف ، فإنك قد وصلت إلى المنتهى ، فلم يلتفت إلى قوله ، فلما علم اللّه تعالى صدق مراده صيّره طيرا أخذ يتنقل من مملكة إلى مملكة ويقطع حجبا بعد حجب حتى يسمع نداء من الحق تعالى : ادن منّى ، يصف أبو يزيد نفسه في هذا الموقف بأنه كان يذوب كما يذوب الرصاص ، واستقبلته أرواح الأنبياء ثم استقبلته روح محمد صلى اللّه عليه وسلم فسلّم عليه ، ورحب به وقال : إذا رجعت إلى الأرض أقرئ أمّتى منّى السلام ، وانصحهم ما استطعت ، وادعهم إلى اللّه عز وجل 7 .
نستطيع أن نقف من هذه الرؤيا على أمور عدة ، أهمها :
أولا : أن القصة قائمة أصلا على إخلاص القصد إلى اللّه تعالى ، وعدم الالتفات إلى الشواغل التي تشغل الإنسان