تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
يد متصوفة القرن الرابع وما بعده من سلوك واقتداء ، إلى تمذهب وابتداع . يقول الكلاباذي معبرا عن هذا التحول الخطير ، لم يزل يدعو الأول الثاني والسابق التالي بلسان فعله . . حتى قل الرغب ، وفتر الطلب ، فصار الحال أجوبة ومسائل وكتبا ورسائل ، فالمعانى لأربابها قريبة ، والصدور لفهمها رحيبة ، إلى أن ذهب المعنى وبقي الاسم ، وغابت الحقيقة وحصل الرسم ، فصار التحقيق حلية والتصديق زينة ، وادعاه من لم يعرفه ، وتحلى به من لم يصفه ، وأنكره فعله من لم يفعله بلسانه فجعل حقه باطلا ، وسمى عالمه جاهلا ، وانفرد المتحقق فيه ضنّا به ، وسكت الواصف له غيرة عليه ، فنفرت القلوب منه وانصرفت النفوس عنه ، فذهب العلم وأهله ، والبيان وفعله ، فصار الجهال علماء والعلماء أذلاء . وأشار القشيري في أول رسالته إلى شئ من ذلك أيضا . ويمكن القول على سبيل الإجمال : إن تعريف التصوف قد تغير عند متصوفة القرن الثالث وما بعده ، تبعا لما طرأ عليه من تحول وتغير ، ووصف كل شيخ تجربته في المحبة بوصف خاص ينبع من واقع حاله ، ونلمح في كثير من تعريفات القرن الثالث أثرا لثقافات مختلفة بدأت تطغى على ما هو إسلامي أصيل في الحياة الروحية ، وظهر بشكل مذهبي اصطلاحى كلام في المحبة ، والعشق ، والوجد ، والصحو ، والسكر ، والفناء ، والبقاء ، ولم يكد ينتهى القرن الثالث حتى وجدنا عند بعضهم كلاما في الحلول والاتحاد ، انطلاقا من كلامهم في المحبة والظاهر والباطن والحقيقة والشريعة ، مما يدل على الآثار الواقدة التي بدأت تؤثر في مسيرة الحياة الروحية لدى هؤلاء المتصوفة . وفي كتب الصوفية آثار ومرويات كثيرة يمكن مقارنتها بما يروى عن أوائل الزهاد في القرن الأول والثاني ؛ لندرك الفرق واضحا بين هؤلاء وأولئك ؛ فالجنيد « ت 267 ه ، وهو الملقب بسيد الطائفة - يمكن لقارئه أن يدرك الفرق بين أقواله وأقوال نظرائه في أواخر القرن الأول