وهم كذلك يحبونه بدون علة أو سبب . ومن خصائص هذا النوع أن يفنى المحب في محبوبه عن محبته ، فإذا كان عالما بمحبته في نفسه فمحبته غير صحيحة ، ولا تصح المحبة هنا الا بفناء المحب عن حبه ، وعن علمه بحبه ، وقد عبر عنها الجنيد بقوله : ( المحبة أن تحل صفات المحبوب محل صفات القلب المحب مصداقا لقوله النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها » .
ويشير القشيري في الرسالة إلى أن ( ذا النون المصري ) أول من استعمل الرمز في التعبير عن المحبة ، فتكلم عن كأس المحبة والمحبين والشراب والسكر وشراب المحبين والعارفين ، ووصل بذلك إلى درجة اتحاد المحب بالمحبوب ، وعبّر عن ذلك شعرا ؛ فقال :
اطلبوا لأنفسكم * مثلما وجدت أنا
قد وجدت لي سكنا * ليس في هواه عنا
إن بعدت قربني * أو قربت منه دنا 9
وكذلك كان كلام سهل التستري ( 816 - 896 م ) عن المحبة ، التي فضل التعبير عنها بمصطلح خاص به هو ( المسارّة ) ، بمعنى المسامرة التي تكون بين المحبين سرا مكتوما لا يباح به لغيرهما ، ومن منطلق المحبة بين المتسامرين يكون خضوع المحب لأوامر محبوبه طلبا لرضاه ، وحبا له ، وحبا فيه ، وليس خوفا من بطشه وعقابه ؛ ولذلك فإن المحبة عند التستري تعنى ملازمة الطاعة ، والالتزام بأوامر المحبوب ؛ فهي كما عرفها ( موافقة القلب للّه ) وذلك أسمى مراتب المحبة 10 .
ومن علامات المحب عنده ألا يغفل عن ذكر حبيبه شغوفا شاعرا بمعيته ، والحب عنده عطاء وهبة من اللّه ، يتفضل به اللّه على العارفين من عباده دون انتظار أو سؤال منهم حين يستشعر المحب بمعيته ؛ حيث ينصرف الذاكر عن كل لفظ يردده لسانه إلى حضور قلبي يغيب الذاكر فيه عن نفسه ، ويأتنس بحضرة محبوبه ، فيفنى عن نفسه ببكائه بحضرة ربه 11 .
ويفسر الحلاج نظريته في الخلق في ضوء رأيه في المحبة ، حيث يجعل المحبة علة الوجود ، فيقول :