تجلى الحق لنفسه في الأزل قبل أن يخلق الخلق . . . وقبل أن يعلم الخلق ، وجرى له في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه ولا حروف ، وشاهد سبحات ذاته في ذاته ، في الأزل ، حيث كان الحق ولا شيء معه ، نظر إلى ذاته فأحبها ، وأثنى على نفسه ، فكان هذا تجليا لذاته في ذاته في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف وكل حد ، وكانت هذه المحبة علة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية يشاهدها ويخاطبها وهي آدم الذي جعله اللّه صورته أبد الدهر 12 .
ولما خلق آدم على هذا النحو مجده فاختاره لنفسه ، وكان من حيث ظهور الحق لصورته فيه وبه ، هو هو ) .
سبحان من أظهر ناسوته * سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا * في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه * كلمحة الحاجب بالحاجب
إن لم تعرفوا اللّه فاعرفوا آثاره وأنا ذلك الأثر ، وأنا الحق لأنى ما زلت أبدا بالحق حقا 13 .
يقول ابن قيم الجوزية : " الحمد للّه الذي جعل المحبة إلى الظفر بالمحبوب سبيلا ، ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلا ، وحرك بها النفوس إلى أنواع الكمالات إيثارا لطلبها وتحصيلا ، وأودعها العالم العلوي السفلي لإخراج كماله من القوة إلى الفعل إيجادا وإمدادا وقبولا ، وأثار بها الهمم السامية والعزمات العالية إلى أشرف غاياتها تخصيصا لها وتأهيلا ، فسبحان من صرف عليها القلوب كما يشاء ولما يشاء بقدرته ، واستخرج بها ما خلق له كل حي بحكمته ، وصرفها أنواعا وأقساما بين بريته ، وفصلها تفصيلا ، فجعل كل محبوب لمحبه نصيبا . . . : إلى أن قال : " وفضل أهل محبته ومحبة كتابه ورسوله على سائر المحبين تفضيلا ، فبالمحبة وللمحبة وجدت الأرض والسماوات ، وعليها فطرت المخلوقات ، ولها تحركت الأفلاك الدائرات ، وبها وصلت الحركات إلى غاياتها ، واتصلت بداياتها بنهاياتها ، وبها ظفرت النفوس بمطالبها ، وحصلت على نيل مآربها ، وتخلصت من