والثاني من أمثال الحسن البصري وسفيان الثوري وغيرهم فهو يتكلم عن الفناء ، والحقيقة ، والقبض ، والبسط من واقع تجربته في المحبة .
فيقول : قعدت ثلاثين سنة حارسا على باب القلب ، وحفظت القلب وقد حافظ على قلبي عشر سنوات ، والآن بعد عشرين سنة لا أعلم شيئا عن القلب ، ولا يعرف القلب شيئا عنى ، وغادرت الدهر بحيث بكى علىّ أهل الأرض والسماء ، ثم صرت بحيث كنت أبكى أنا على غيابهم ، والآن أصبحت بحيث لا أعلم عنهم ولا عن نفسي شيئا ، الخوف يقبضني والرجاء يبسطنى ، فمهما أكن منقبضا بالخوف يكن ثمة فناء ، وعندما أنبسط بالرجاء يعيدون إلىّ نفسي .
كما ورد عنه قوله : فقدت يوما قلبي فقلت يا إلهي رد على قلبي فسمعت مناديا يقول : يا جنيد نحن سلبناك القلب لكي تكون معنا . .
أتريد أن تبقى مع غيرنا هنيئا لذلك الشخص الذي نال الحضور ولو ساعة واحدة طيلة عمره .
التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويميتك به .
من يقول : اللّه ، دون أن يراه فهذا كذب .
ما دمت تقول : اللّه ، وتقول :
عبد ، فهذا شرك ؛ لأن العارف والمعروف واحد ، كما قالوا : ليس في الحقيقة إلا هو ، ها هنا اللّه فأين العبد ، أي أن الكل هو اللّه 8 .
ويتكلم السراج في كتاب اللمع عن المحبة عند الصوفية ويقسمها إلى درجات ثلاثة :
1 - محبة العامة : وهي من إحسان اللّه إلى العبد لأن قلب العبد مجبول على محبة من يحسن إليه ، وقد اشترط سمنون لهذا النوع من المحبة صفاء الود مع دوام الذكر لأن من أحب شيئا أكثر من ذكره على لسانه وفي قلبه .
2 - ومحبة المتحققين : وهي وليدة نظر القلب في الصفات الإلهية ، ويصفها أبو الحسين النوري بقوله :
" إنها هتك الأستار وكشف الأسرار " .
3 - ومحبة العارفين : وهي وليدة المعرفة الكاملة بأن اللّه يحبهم ، بدون سبب أو علة وإنما بمحض فضله ،
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 673
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٧٣