خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( 9 ) ( يس : 9 ) . وإلسد بين المريد وبين الحق أربعة : المال ، والجاه ، والتقليد ، والمعصية . .
ويدفع قواطع الطريق أربعة أمور : الخلوة ، والصمت ، والجوع ، والسهر . . فهذه الأربعة جنة وحصن بها تدفع عنه القواطع وتمنع العوارض القاطعة للطريق . فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق 28 .
ويرى ابن عجيبة أن على من يريد المجاهدة أن يحتال مع نفسه شيئا فشيئا فيعلمها " الصمت وحده ، ثم العزلة " ثم يقدمها للقليل فإذا استأنست به زادها شيئا آخر ، أحب الأعمال إلى اللّه أدومها ، وإن قل ، ولا يعلمها البطالة 29 .
والمجاهدة تدل في حقيقة الأمر على أن الأخلاق تقبل التغيير بطريق الرياضة والمجاهدة .
وهنا نلحظ مناقشة ذكية للإمام الغزالي حول قبول الأخلاق للتغيير ، فنجده يرد على من يزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فيقول : « بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق . . فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير .
واستدل فيه بأمرين :
أحدهما : أن الخلق هو صورة الباطن ، كما أن الخلق هو صورة الظاهر . فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها ، فالقصير لا يقدر أن يجعل طويلا . . . ولا القبيح يقدر على تحسين صورته ، فكذلك القبح الباطن يجرى هذا المجرى .
والثاني : أنهم قالوا : حسن الخلق يقمع الشهوة والغضب ، وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع ، فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة ، فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده .
فنقول : لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ، ولما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
( حسنوا أخلاقكم ) ، وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن ، إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس ، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية ، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد » وكل ذلك تغيير للأخلاق ؟ ! . . .