تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
وأما الخيال الآخر الذي استدلوا به : وهو قولهم إن الآدمي ما دام حيا فلا تنقطع عنه الشهوة والغضب وحب الدنيا ، وسائر هذه الأخلاق ، فهذا غلط وقع لطائفة ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها ، وهيهات ! ، فإن الشهوة خلقت لفائدة ، وهي ضرورية في الجبلة ، فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك . . وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية ، بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط . والمطلوب . في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا . وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل " 30 . من هنا نعلم أن أخلاق الإنسان تتغير بالمجاهدة والرياضة ولكن يجب أن نؤكد في هذا المقام أن الإنسان هو الذي يتغير ، أما الصفات الخلقية نفسها فهي ثابتة لا تتغير وغير نسبية .

د ) مراتب النفس في المجاهدة :

وجهاد النفس يقع في مراتب متعددة : أولها : حملها على تعلم أمور الدين . ثانيها : حملها على العمل بأمور الدين . ثالثها : حملها على تعليم من لا يعلم . رابعها : الدعوة إلى توحيد اللّه عز وجل ، ومجاهدة من خالف دينه وجحد نعمه . وأقوى المعين على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يلقى إليه من الشبهة والشك ، ثم تحسين ما نهى عنه من المحرمات ، ثم ما يفضى الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات . وتمام ذلك من المجاهدة أن يكون متيقظا لنفسه في جميع أحواله ، فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات " 31 . وللإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال : أولها : أن يغلبه الهوى ويملكه ولا يستطيع له خلافا ، وهو حال أكثر الخلق ، قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ ،