تجربته في المجاهدة فيقول : فاهتديت لشيء من رياضة النفس فأخذت فيها ، فأعانني اللّه ، وألهمت منع الشهوات نفسي ، حتى صرت كأني أعلم على قلبي الشيء بعد الشيء ، حتى ربما كنت أمنع نفسي الماء البارد ، وأتورع من شرب ماء الأنهار ، فأقول : لعل هذا الماء جرى في موضع بغير حق ، فكنت أشرب من البئر أو من الوادي الكبير " 36 .
و " سهل بن عبد اللّه التستري " له في مجاهدة النفس صور كثيرة ، ويقال إنه حمل نفسه على أن يأكل وجبة واحدة كل خمسة عشر يوما ، وأنه قطع عمرا طويلا بغذاء قليل " 37 .
ويحكى الغزالي أن " صفوان بن سليم " كان قد تعقدت ساقاه من طول القيام ، وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضربه البرد ، وإذا جاء الصيف اضطجع داخل البيت ليجد الحر فلا ينام .
ولا يخلو هذا من مبالغة ، وبعد عما شرعه اللّه تعالى من الرفق بالنفس وحسن سياستها ، والبعد عن التشديد عليها ، والحرمان لها ، والأخذ بالحلال الطيب دون إسراف ولا تبذير .
ويبين " ابن سبعين " الأساس الذي تقوم عليه مجاهدة النفس عنده ، فالنفس عنده ليست خيرا محضا ولا شرا محضا ، وإنما هي مركبة من الأمرين معا ، ومن ثم ينبغي على السالك أن يقهر جانب الشر في نفسه 38 .
وفي الختام نقول ما قاله " ابن عجيبة " :
" فما تحقق سير السائرين ورحيلهم إلى المحبوب إلا بمحاربة النفوس ومجاهدتها " 39 .
أ . د / محفوظ عزام
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 660
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٦٠