بأفعالهم .
كل من يفعل ذلك فهو مجاهد ، وكل فعل من ذلك هو مجاهدة شريطة أن يقصد به وجه اللّه عز وجل ، وأن يراد به إعلاء كلمته ، ورفع راية الحق ، ومطاردة الباطل ، وبذل النفس في مرضاة اللّه تعالى ، فإن أريد به شيء دون ذلك من حظوظ الدنيا فإنه لا يسمى مجاهدة على الحقيقة : فمن جاهد ليحظى بمنصب ، أو يظفر بمغنم ، أو يظهر شجاعة ، أو ينال شهرة فإنه لا نصيب له في الأجر .
فالنية هي روح العمل ، فإذا تجرد منها كان عملا ميتا ، لا وزن له عند اللّه ، وإن الإخلاص هو الذي يعطى الأعمال قيمتها الحقيقية ، ومن هنا فإن المرء يبلغ بالإخلاص درجة الشهداء وإن لم يستشهد .
ويتصل بمفهوم المجاهدة عند الصوفية مصطلحان آخران هما :
الرياضة والسفر ؛ فبالمجاهدة تحصل رياضة النفس 14 ؛ ولذلك يعرفون الرياضة بأنها المجاهدة والأدب مع اللّه ، أي البعد عن الخواطر الشيطانية ، وذلك بتجنب الشهوات ومخالفة أهواء النفس من طلب اللذات والحظوظ الدنيوية .
والرياضة نوعان : رياضة الأدب ، ورياضة الطلب ؛ فرياضة الأدب في مخالفة هوى النفس ، ورياضة الطلب في الإخلاص والصدق في المجاهدة والصحة في المراد به من الرياضة .
ومن هنا تكون الرياضة عبارة عن " تهذيب ومخالفة وتربية وتأديب النفس بقصد الوصول بها إلى مكارم الأخلاق " 15 ، فهي تهذيب الأخلاق النفسية ، فإن تهذيبها تمحيصها عن خلطات الطبع ونزعاته 16 . وهي أيضا " كيمياء السعادة " التي هي " تهذيب النفس باجتناب الرذائل وتزكيتها عنها واكتساب الفضائل وتحليتها بها " 17 .
أما " السفر " فهو عبارة عن القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى بالذكر 18 .
ويسمى ابن سبعين " الطريق العملي للتحقق بالمثل الأخلاقية العليا بالسفر ، والذي يسلك هذا الطريق بالمسافر ، بما يصطنعه من رياضات عملية ، والمقامات والأحوال هي مراحل السفر ، مثل التوبة والتقوى والورع والزهد والتوكل والرضا . وهذه
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 653
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٥٣