صاحبها سرعان ما يعود إليه تمييزه فيعلم أنه كان غالطا في ذلك ، وأن الحقائق متميزة في ذاتها ، وأن الرب رب ، والعبد عبد ، والخالق بائن من المخلوقات ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته 50 .
ويؤكد بعضهم أن الفناء عن شهود السوى اللازم للمحبة حين تشتد وتسيطر ، ليس هو اتحاد الذاتين ، فإن ذلك ممتنع ، والقائل به كافر ، وليس هو الاتحاد المطلق الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق ، فإنه تعطيل للصانع وجحد له 51 .
ثالثا : الفناء عن وجود السوى :
وهو الفناء في الموجود ، بمعنى أنه يرى أن اللّه هو الوجود ، وأنه لا وجود لسواه ، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق ، ولا فرق بين الرب والعبد ، ولا يثبت للسوى وجود لا في الشهود ولا في العيان .
وغاية المتحققين به : الفناء في الوحدة المطلقة ، ونفى التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار ، وشهود وحدة الوجود .
وهذا فناء أهل الضلال الواقعين في الحلول والاتحاد ، الذين يجعلون الباري تعالى عين الموجودات وحقيقة الكائنات ، وأنه لا وجود لسواه ، وأن جميع الموجودات هي عين وجود الحق 52 .
والفرق بين هذا الفناء والذي قبله : أن هذا في حقيقته ؛ فناء في الوحدة المطلقة ، وشهود وحدة الوجود ، وما يستلزمه من اعتبار العالم كله صورا ومجالي ومظاهر للوجود المطلق .
إنه تعبير فلسفي وكلام نظري عن وحدة الحق والخلق ، وليس تعبيرا عن فناء السالك في محبوبه ولا عن تجربة روحية ، ولا يقصد به توحيد الألوهية ، بل تعبير عن وحدة الوجود .
أما الذي قبله فإنه يعبر عن تجربة روحية ، وحالة فناء السالك في محبوبه وما يواكبها من معرفة قلبية أساسها المحبة ، وهو حال وموهبة من اللّه تعالى تعرض للسالك في تجربته الروحية ، ليست علما ولا اعتقادا ، وهي أخص