مظاهر الحياة الباطنية الصوفية .
فهناك فرق شاسع بين الكلام النظري الفلسفي وبين حال صوفي فنى في صاحبه عن كل ما سوى اللّه تعالى .
والقول بوحدة الوجود قول منكر من علماء الأمة وجماهيرها ، فهو يعد إنكارا لوجود اللّه تعالى وما له من صفات الكمال والجلال التي تفرد سبحانه بها عن خلقه ، كما يعد إهدارا للمسئولية الفردية التي هي مناط التكليف ومحل الأمر والنهى ، ومستند الثواب والعقاب ، وفي اعتقادها إبطال الرسالات وتكذيب الرسل ، وإهدار الدين والأخلاق .
خواطر الشيخ عبد القادر الجيلاني في الفناء والبقاء :
للشيخ عبد القادر الجيلاني تقدير خاص في عرضه لقضية الفناء والبقاء ، فهو يمثل التصوف السنى بالتزام الشرع ، وتعظيم الأمر والنهى على نحو يروق لجماهير المسلمين .
ومن خواطره في كتابه فتوح الغيب قوله : وإن كنت في حالة حق الحق وهي حالة المحو والفناء . . . فاتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة . وأن لا يكون لك إرادة وهمة في شيء البتة دنيا وعقبى ، فتكون عبد الملك لا عبد الملك ، وعبد الأمر لا عبد الهوى ، كالطفل مع الظئر ، والميت الغسيل مع الغاسل ، والمريض المقلوب على جنبيه بين يدي الطبيب ، فيما سوى الأمر والنهى .
ففي النص المذكور يشير إلى ضرورة التزام الأمر والنهى حتى في أعلى مقام السالكين ، في حالة المحو والفناء ، وفي موضع غيبة الإرادة والهمة .
ويقول في موضع آخر : ومعنى الوصول إلى اللّه عزّ وجلّ خروجك عن الخلق والهوى والإرادة والمنى ، والثبوت مع فعله ومن غير أن يكون منك حركة فيك ولا في خلقه بك ، بل بحكمه وأمره وفعله ، فهي حالة الفناء يعبر عنها بالوصول 53 .
وفي موضع آخر : افن عن الخلق بإذن اللّه تعالى ، وعن هواك بأمر اللّه تعالى :
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ المائدة : 23 ] ، وعن إرادتك بفعل اللّه تعالى ، وحينئذ تصلح أن تكون وعاء