لعلم اللّه تعالى ، فعلامة فنائك عن خلق اللّه تعالى : انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم واليأس مما في أيديهم ، وعلامة فنائك عن هواك : ترك التكسب والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر . . . تكل ذلك كله إلى اللّه تعالى . . . وعلامة فنائك عن إرادتك بفعل اللّه : أنك لا تريد مرادا قط ، ولا يكون لك غرض ، ولا يبقى لك حاجة ولا مرام ، فإنك لا تريد مع إرادة اللّه سواها ، بل يجرى فعل اللّه فيك ، فتكون أنت عند إرادة اللّه وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان منشرح الصدر .
وفي موضع آخر : إذا فنى العبد عن الخلق والهوى والنفس والإرادة والأماني دنيا وأخرى ، ولم يرد إلا اللّه عز وجل وخرج الكل عن قلبه وصل إلى الحق ، واصطفاه واجتباه ، وأحبه وحببه إلى خلقه ، وجعله يحبه ويحب قربه ، ويتنعم بفضله ويتقلب في نعمه ، وفتح عليه أبواب رحمته ، ووعده أن لا يغلقها عنه أبدا .
ويجمل الشيخ خواطره في الفناء والبقاء فيقول : كن مع اللّه عز وجل كأن لا خلق ، ومع الخلق كأن لا نفس ، فإذا كنت مع اللّه عز وجل بلا خلق وجدت ، وعن الكل فنيت ، وإذا كنت مع الخلق بلا نفس عدلت وبقيت ، ومن التبعات سلمت 54 .
وقد استحسن الإمام ابن تيمية خواطر الشيخ عبد القادر في الفناء والبقاء ، وفسر بعض ألفاظها لتوضيح مراده فيها ، فقد قال :
والشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم أمرا بالتزام الشرع ، والأمر والنهى ، وتقديمه على الذوق والقدر .
ويفسر أمره بترك الإرادة بأنه يأمر السالك أن لا تكون له إرادة من جهة هواه أصلا ، بل يريد ما يريده الرب عز وجل .
وفي موضع آخر : يفسر مراده بالفناء عن الهوى بالأمر ، وعن الإرادة بالفعل بقوله : بأن يكون فعله موافقا للأمر الشرعي لا لهواه ، وأن تكون إرادته لما يخلق تابعه لفعل اللّه ، لا لإرادة نفسه ، فالأول يكون بالأمر ، والثاني لا تكون له إرادة لكن بقيد أنه لم يؤمر بها .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 645
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٤٥