في معراجه الروحي ، إلا أن فناءه كان مقترنا بالسكر والاصطلام والشطح ، ولم يبلغ عنده وعند من تقدمه ما بلغه عند أبي سعيد الخراز ، الذي كان أكثر عمقا حيث ربط الفناء بذكر اللّه .
ويقع اسم الفناء - حسب تحقيق الإمام ابن تيمية ت 728 ه وتلميذه ابن قيم الجوزية - على ثلاثة معان ؛ منها المحمود ، ومنها المذموم .
المعنى الأول : الفناء عن إرادة السوى .
المعنى الثاني : الفناء عن شهود السوى .
المعنى الثالث : الفناء عن وجود السوى 34 .
[ اسم الفناء على ثلاثة معان ]
أولا : الفناء عن إرادة السوى :
وحقيقته : فناء القلب عن إرادة ما سوى اللّه تعالى ، بأن يفنى بعبادة محبوبه عن عبادة ما سواه ، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه عن حب ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه ، وذلك بإفراد الرب سبحانه بالعبادة والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتعظيم والإجلال ، فيكون فانيا عن مراده وهوى نفسه وحظوظها بمراد ربه .
وقد أشارا إلى أن الفناء بهذا المعنى هو الفناء الشرعي الذي يدعو إليه السلف الصالح من الزهاد والصوفية ومن تبعهم ؛ لأنه فناء في الطاعة ، وحقيقته توحيد اللّه تعالى وإفراده بالخلق والتدبير ، وهو يقتضى سقوط الأوصاف المذمومة ، والفناء عن شهود ما نهى اللّه تعالى عنه من المخالفات ، والبقاء بقيام الأوصاف المحمودة ، وشهود ما أمر اللّه به من الموافقات للشريعة .
قال الإمام ابن تيمية عن هذا النوع من الفناء : إنه للكاملين من الأنبياء والأولياء ، وأشار إلى أن القلب الذي يتحقق فيه هذا المعنى هو القلب السليم ، وهو معنى قولهم في قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الشعراء : 89 ] : السليم مما سوى اللّه تعالى أو مما سوى عبادة اللّه ، أو مما سوى إرادة اللّه ، أو مما سوى محبة اللّه ، وأشار إلى أن هذا المعنى إن سمى فناء أو لم يسم هو أول الإسلام وآخره ، وباطن الدين وظاهره 35 .
وقال الإمام ابن قيم الجوزية عنه : إنه فناء خواص الأولياء ، وأئمة المقربين .
وأشار إلى أن حقيقته : التوحيد الذي عليه المرسلون ، وأنزلت به الكتب ، وخلقت لأجله الخليقة ، وشرعت له