مفارق ؛ لأنّه لا يشهد إياه ولا الخلق ، وهو باق لدوامه مع الحق ، وهو جامعه به ، وهو فان عما سواه مفارق لهم ، وهو غائب سكران ؛ لزوال التمييز عنه 27 .
قال الكلاباذي : والبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى عما له ويبقى بما للّه 28 .
الفناء وصحة العبودية :
عبر الكلاباذي عن رؤية الصوفية في مصدر الفناء حيث قال : فالفناء :
فضل من اللّه ، وموهبة للعبد ، وإكرام منه له ، واختصاص له به .
وليس هو من الأفعال المكتسبة ، وإنما هو شيء يفعله اللّه بمن اختصه لنفسه واصطنعه له ، وليس مقام الفناء يدرك بالاكتساب ؛ فيجوز أن يكتسب ضده ، وقد قرر ذلك ودفع ما قد يعارض به كالإيمان ، أو الذي آتاه اللّه آياته فانسلخ منها 29 .
ولا يعنى الصوفية بأنه موهبة ظهوره فجأة وانعدام الأحوال والمقامات المهيئة له ، فإنهم يرون أنه يقع بعد سلسلة من الأحوال والمقامات ، ويتحقق دائما في المراحل الأخيرة لطريق السلوك والمعرفة ، وكأنه ثمرة لمختلف المجاهدات والرياضات الصوفية تنزل على العبد وتمنح له دون قدرة منه على اجتلابها واكتسابها . وقد عبر عن ذلك شيوخ الصوفية في إشاراتهم ، فقد روى عن أبي يعقوب النهرجورى أنه سئل عن صحة علم الفناء والبقاء ، فقال : تصحبه العبودية في الفناء والبقاء ، واستعمال علم الرضا ، ومن لم تصحبه العبودية في الفناء والبقاء فهو مدع .
وروى عن بعضهم أنه قال : علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية ، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة 30 .
هذه الإشارات ونظائرها تسد بابا يمكن أن ينفذ منه المدعون الكاذبون أو الزنادقة الملحدون .
البقاء أكمل من الفناء :
أجمع مشايخ الصوفية على أن البقاء أكمل من الفناء على أي معنى اصطلحا فيه مما يشير إلى أن الفناء ليس غاية عند الصوفية ، ولا يعبر عن الكمال الأعلى في حياتهم ،