أما من رأى أن الأحوال ما يحل بالقلوب من صفاء الأذكار فإنه ذهب إلى أنها دائمة لا تزول ، فإن زالت لا تكون حالا بل لوائح وطوالع وبواده ، وهي مقدمات الأحوال لم يصل صاحبها بعد إلى الأحوال .
وقد تناقل الصوفية في هذا الصدد ما حكى عن أبي عثمان الحيري ت 298 ه أنه قال : منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته .
فهذه إشارة إلى دوام الرضا ، والرضا من جملة الأحوال عند بعضهم ، ويكون منه حالا ثم يصير مقاما عند بعضهم 24 .
وقد وفق الإمام القشيري بين المذهبين المذكورين بأن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح ما قال ، فقد يكون الحال شربا لأحد فيربى فيه ، ولكن لصاحب هذه الحال أحوال هي طوارق لا تدوم فوق أحواله التي صارت شربا له ، فإذا دامت هذه الطوارق له كما دامت الأحوال المتقدمة ارتقى إلى أحوال أخر فوق هذه وألطف من هذه ، فأبدا يكون في الترقي 25 .
كامل وتداخل الأحوال والمقامات :
الأحوال والمقامات تتداخل ، فيشتبه الحال بالمقام ، والمقام بالحال ، فيترائى الشيء للبعض حالا ، وللبعض مقاما ، لكنها تتكامل ، فقد يكون الشيء حالا فيصير مقاما ، مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة ، ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ثم تعود ، ثم تزول ، فلا يزال العبد حال المحاسبة يتعاهد الحال ، ثم يحوّل الحال بظهور صفات النفس إلى أن تتداركه المعونة الإلهية ويغلب حال المحاسبة ، وتنقهر النفس وتنضبط ، وتتملكها المحاسبة فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه ، فيصير في مقام المحاسبة بعد أن كان له حال المحاسبة ، ثم ينازله حال المراقبة ، فمن كانت المحاسبة مقامه يصير له من المراقبة حال .
إذن الحال يدخل في المقام ، والمقام لا ينفصل عن الحال ، فالمقامات طرق الأحوال من جهة ، وفيها تبطن الأحوال من جهة أخرى ، وفي الأحوال تبطن المكاسب وتظهر