الدرجة الثالثة : بقاء مالم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا 14 .
وحاصل ذلك - حسب ما أشار إليه الإمام ابن قيم الجوزية ت 751 ه - أن يفنى من قلبك إرادة السوى وشهوده والالتفات إليه ، ويبقى فيه إرادة الحق وحده وشهوده والالتفات بالكلية إليه والإقبال بجمعيتك عليه . وأشار إلى أن هذا المعنى هو الذي حوله يدندن العارفون وإليه يشمر السالكون وإن وسعوا له العبارات وصرفوا إليه القول 15 .
منزلة الفناء والبقاء عند الصوفية ودرجته في منازل السائرين :
الفناء والبقاء من أهم موضوعات التصوف قديما وحديثا ، وهما في الدرجة العليا والأخيرة في منازل السائرين ، وهما توحيد الخاصة :
التوحيد الخالص ، والمعرفة الكاملة .
فقد نقل السراج الطوسي عن الجنيد أنه سئل عن توحيد الخاصة ، فقال : أن يكون العبد شبحا بين يدي اللّه عز وجل ، تجرى عليه تصاريف تدبيره في مجارى أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده ، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له ، وعن استجابته بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته لقيام الحق سبحانه له فيما أراد منه ، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله ، فيكون كما كان قبل أن يكون .
ونقل عن بعضهم : الوحدانية : بقاء الحق وفناء كل ما دونه 16 .
ويقول ابن عربى ت 638 ه في كتابه التجليات : التوحيد : فناؤك عنك وعنه وعن الكون وعن الفناء 17 .
الفناء والبقاء الدرجة الأخيرة في معارج الوصول :
وقع في كلام الصوفية ما يفهم منه أن الفناء والبقاء درجات عليا وأخيرة في مراتب السلوك ، ومعارج الوصول ، بل غاية ونهاية الطريق ، بل هي الوصول ذاته إلى اللّه تعالى .
فعند ابن عربى : الفناء هو الدرجة الأخيرة في المعراج العقلي للنفس التي ترتفع باستبعاد كل ما سوى اللّه تعالى إلى مشاهدة الوجود المحض المطلق الخالي من كل علاقة وحالة ، ومن كل اسم وصفة 18 .
وعبر عنهما السهروردي بالغاية