الحق بشهوده الحق .
الدرجة الثالثة : فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه في وجود الحق .
وتفصيل ذلك :
أن فناء العبد عن أوصافه وأفعاله المذمومة إنما هو بسقوطها ، وقيام الأوصاف المحمودة به ، وعن نفسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم ، فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال إنه فنى عن شهواته ، فإذا فنى عن شهواته ، بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته ، ومن زهد في دنياه بقلبه ، يقال : فنى عن رغبته وبقي بصدق إنابته .
ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد ، وسائر رعونات النفس يقال : فنى عن سوء الخلق ، وبقي بالفتوة والصدق .
ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأحكام ، يقال : فنى عن حسبان الحدثان من الخلق وبقي بصفات الحقّ .
ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ، ولا رسما ولا طللا يقال : إنه فنى عن الخلق وبقي بالحقّ .
ثم يرتقى عن ذلك ، فتارة يكون ذاكرا لقيامه ، وتارة يقوى شهوده وشغله بمن استغرق فيه فيفنى عن شهود فنائه ، وهذا هو فناء الفناء ، وهو الدرجة العليا من الفناء 13 .
ويحقق الإمام الهروي الفناء في ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما ، وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا ، وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا .
الدرجة الثانية : فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود العلم لإسقاطه ، وفناء شهود العيان لإسقاطه .
الدرجة الثالثة : الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين ، راكبا بحر الجمع ، سالكا سبيل البقاء .
ويشير إلى أن : البقاء على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينا لا علما .
الدرجة الثانية : بقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 629
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٢٩