وقال عبد الكريم الجيلى ت 832 ه : فالفناء في اصطلاح القوم هو عبارة عن عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازمها 10 .
والفناء الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه أن تذهب المحدثات في شهود العبد وتغيب في أفق العدم كما كانت قبل أن توجد ، ويبقى الحق تعالى كما لم يزل ، وحقيقته :
أن يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل 11 .
وقد ذكرنا نماذج متنوعة لأقوال الصوفية وإشاراتهم في عصور مختلفة ، وذلك لتقريب حقيقة الفناء والبقاء التي عمل عليها المشايخ ؛ فإن هذه المسألة ونظائرها من الأحوال ليست بمنصوصات ولا مفردات ولا تخضع للتفسير ، وإنما تدرك بالذوق ، وتقترب حقائقها إذا فهمت أقوالهم وأدركت رموزهم وإشاراتهم .
درجات الفناء والبقاء :
الفناء والبقاء درجات مترقية عند السادة الصوفية ، كل منهما له أول وله آخر ، وتعد درجاته أنواعا له ، يظهر ذلك عند بعضهم في ثنايا إشاراتهم ، وبعضهم يفصل ذلك :
ذكر السراج الطوسي ت 378 ه أن معنى الفناء والبقاء في أوائله : فناء الجهل ببقاء العلم ، وفناء المعصية ببقاء الطاعة ، وفناء الغفلة ببقاء الذكر ، وفناء رؤيا حركات العبد لبقاء رؤيا عناية اللّه تعالى في سابق العلم .
وأشار إلى تدرجهما في خمس درجات حيث قال :
1 - فأول علامة الفاني ذهاب حظه من الدنيا والآخرة بورود ذكر اللّه تعالى .
2 - ثم ذهاب حظه من ذكر اللّه تعالى عند حظه بذكر اللّه تعالى له .
3 - ثم تفنى رؤية ذكر اللّه تعالى له حتى يبقى حظه باللّه .
4 - ثم ذهاب حظه من اللّه تعالى برؤية حظه .
5 - ثم ذهاب حظه برؤية حظه بفناء الفناء وبقاء البقاء 12 .
وقد رتب الإمام القشيري الفناء في ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : فناء العبد عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحق .
الدرجة الثانية : فناؤه عن صفات