لا يعنى الاختلاف في العلم أو بين الشيوخ " إن الكل واحد والواحد كل ، ولا يوجد خلاف بين الصوفية " ، وإذا اختلفت أساليبهم ومناهجهم ، أو ألفاظهم بحسب المشارب والأذواق ، أو إشاراتهم ومرقعاتهم وفرقهم فالمعانى واحدة 25 ، ومراحل السلوك لا تتغير ، فهناك البدايات بتوباتها وهمتها وعزيمتها ، والوسط بمجاهداته ومقاماته والنهايات بأحوالها ومكاشفاتها ، ونظرا لوحدة المعاني وشرف المقصد فما ينبغي أن نرى بين رجال الطريق تناحرا فكريا أو جدلا معنويا .
ومما يبدو اختلافا بين رجال الطريق وشيوخه كقول بعضهم في التوبة ( أن تنسى ذنبك ) وقول آخر ( ألا تنسى ذنبك ) فهذا اختلاف تنوع بحسب الحال وقد انبنى على الاتفاق حول الأصل وهو التوبة ، ومما يشهد بوحدة المعاني وجود اصطلاحات معينة مشتركة بينهم عبرت عن بداياتهم ومجاهداتهم ومقاماتهم ومعارفهم وأحوالهم ومكاشفاتهم ، فمع أن التصوف علم الأذواق لكنهم استخلصوا من رحيق الأحوال صافي المعاني ورمزوا لها بإشارات أو مصطلحات ، واستطعنا من ذلك أن نجمع مقاماتهم وأحوالهم ، وأن نتناولها بالفهم والشرح والتفسير ، حتى عرف العلم وأحصيت أبوابه وقعّدت قواعده وأصوله ، وكلها تدل على وحدة العلم ومعانيه .
وإذا كان أمر الجمعية الصوفية ، وتوحد الكل من العارفين على نحو ما ذكرنا ، فإن الانتقال من شيخ إلى شيخ ، وتعدد البيعات والخرق لا يعنى الخروج عن الطريق ككل بل قد يكون التنقل للفائدة حيث لم تتلاق طباع المريد مع شيخ ، أو اكتشف الشيخ وجود منفعة المريد لدى غيره فيأمره بالذهاب إليه ، وغالبا ما تحدث الفائدة ويقصد بالتنقل معها مجرد التبرك بلقاء عارف آخر .
وعندما يقبل مريد على شيخ ويتعاهدان ، ثم ينخرط في السلوك تسمى الخرقة عندئذ بخرقة الإرادة وهي الأصلية ، فإن نال بعدها خرقة ثانية أو ثالثة من شيوخ آخرين فهي خرقة التبرك ، شريطة أن يبقى السلوك مع الأولى ، وإن لم تتوافر نية التوبة لدى شخص ما ؛ بل أراد مجرد التزيى بزى القوم أملا في حدوث الفائدة بعد ذلك ، فعندما يرتدى خرقة من شيخ فإنها للبركة فحسب 26 وفي الوقت الذي يطالب فيه من لبس
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 601
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦٠١