تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 603

مساهمون:

ص٦٠٣
استتر بها بعض شيوخ ما وراء النهر ، وارتداها الشيخ محمد بن خفيف ( 371 ه ) مدة عشرين عاما ، وزاد عليه محمد بن الحسن الجنبلى أحد شيوخ الهجويرى ( 492 ه ) فلبسها مدة ستة وخمسين عاما ، واعتبر صاحب كشف المحجوب من أنصار هذا الاتجاه لربطه بينها وبين حقائق الطريق وخصها بالمريدين قائلا إنه لا يلبسها إلا المنقطعون عن الدنيا والأخرى ، والمشتاقون إلى حضرة المولى عز وجل ، ويبدو أن هذا الاتجاه هو الذي كان غالبا طوال العصور الأولى للتصوف الإسلامي ، التي بدا فيها العلم شرعيا متحققا مثمرا في التربية وصنع الرجال ، ومفرزا لنا أهم المقامات ، وارق الأحوال والمكاشفات ، كما كثر في العصور المتأخرة التي اتسم فيها العلم وأهله بالتقليد مراعاة الرسوم لا بالتحقيق والتذوق . وإن كنت تعتقد أن الترقيع والتخريق - لم يعم كل ساحات الطالبين وبقي هناك كثيرون متحررون أو كانت لهم وجهات نظر أخرى . وهؤلاء يمثلون الاتجاه الثاني الذي يرى عدم التقيد بزى خاص يرتديه الطالب ساعة العهد أو بعده . ويلتزم به المشايخ قبل مريديهم ويبيحون سائر الأزياء يقول ابن البنا السرقسطى الصوفي المالكي في " مباحثه الأصلية " :
وقد أباحوا سائر الأثواب * وتركها أقرب للصواب
ووافقه أبو نصر الطوسي في كتابه " اللمع " ، والسهروردي البغدادي في " عوارفه " وغيرهما . ورأوا عدم التكلف بثوب معين ، بل إن الفقير يكون مع الوقت وحسب رزق اللّه له ، وتيسيره لأمره ، فان وجد الصوف لبس ، أو اللين ، أو القباء ، أو الجبة والكساء ، أو القميص والعمامة ، أو الرداء والبردة ، أو السروال والبرنس ، أو غيرها لبس ، وكذا لا يتقيدون بلون كما لم يتحيزوا لصنف ، فجميع الألوان عندهم مقبولة : الأحمر والأصفر والأخضر والمحبر ، والأسود والأبيض ، وهكذا سلك بعض المشايخ بمريديهم من غير تعيين للبس في خامته ومادته أو لونه ، أو شكله ، المهم عندهم هو السلوك عن علم وأدب وجد ومجاهدة فحسب ، ومن كانت حالته كذلك صدقا وتحققا فأي لبس لبسه ظهرت عليه المهابة والجلالة ، وكما احتج أنصار الفريق الأول بأدلة نصية وواقعية وإقناعية فقد دلل أصحاب هذا
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 603 | محمود حمدي زقزوق