تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
وتعددها وما دامت حكمة اللّه قد تعلقت بإيفاء النفوس حدها وحقها في الإصلاح ، وما لجميعها يفوق ما لواحدة منها فلا يليق إلا أن يأخذ من القربات ما يستطيعه وما يتحمله ؛ حتى يقدر على الوفاء به ، والقيام بواجبات العهد الذي قطعه على نفسه ، وحول هذا اللزوم يقول جل شأنه في صفة أهل البر :
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
( البقرة : 177 )
بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
( 76 ) ( آل عمران : 76 )
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
( الإسراء : 34 ) . فأنت ترى أن صفة الوفاء بالعهد مطلقا سواء كان مع اللّه أو مع الخلق ، جاءت في سياق البر الذي بدأ بالإيمان واستطرد إلى التكليفات والأخلاق . ولا ينبغي لمن عاهد أن يتحايل أو يقصر في الوفاء بل يلزمه حق التوفية مع التقوى والمراقبة وعدم الغدر والخيانة ، في شئ مما عاهد عليه ، وترك الفتور والخمول . فإن هو قام به على النحو المطلوب نال درجة الحب من اللّه سبحانه ، ويشعر القرآن المعاهد بأن عقده الذي ألزم به نفسه ، وأصبح مسؤولية في عنقه ، فعليه أن يفي به دائما ولا يضيعه . ولقد لام اللّه بعض أهل الكتاب على نقضهم لعهودهم ، فقال تعالى :
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ ، فَرِيقٌ مِنْهُمْ
( البقرة : 100 ) ، ويشترون بالعهد والأيمان
ثَمَناً قَلِيلًا
( آل عمران : 77 ) وبالتتبع لأحوال البشرية والإحاطة بهم يقول جل جلاله :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
( 102 ) ( الأعراف : 102 ) . ونقض العهد في أصل الإيمان ردة عن الحق في حكم الظاهر ، ونقض البيعة في طريق السلوك والإرادة ردة عن السعي نحو الحقيقة عند أهل الباطن . وتظل التربية قائمة ، والانتقال والتدرج مستمرين على يد الشيخ ، وفي ظل تجربة منصهرة محتدمة وحارة فعالة ، حتى تترقرق حواس السالك ، وتشف ماديته ، ويصفو قلبه ، وتزكو نفسه ، فتنقشع حجبه ، وتتوالى عليه الموارد ، ومن الذين عبروا عن تلك الرحلة وما تثمره من غايات عرفانية الإمام القرطبي في تفسيره ، عند قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
( البقرة : 40 ) ، قال : " أوفوا بعهدي في أداء
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 596 | محمود حمدي زقزوق