والريب ، متوجها بقلبه وكليته إليه ، مستعدا لقبول ما يلقى عليه ، فيتصافحان باليمين يردد المريد نطق المربى صيغة العهد ، ويشهد اللّه والملائكة على كل ما يقول وما يتلقاه .
ويأمره شيخه أولا بالتوبة والندم على ما فعل ويعزم على اجتناب المعاصي " ويحزم القصد والإرادة على أداء الحقوق للّه وللخلق ، ويجتهد في المستقبل ليعوض تقصير ما مضى ، ويعلن الفرار الدائم من الفتن ، ثم يأمره شيخه باقتباس العلم الشرعي اللازم للسلوك إن لم يكن قد حصله ، وعندئذ يلزم شيخه إن كان أهلا لذلك " أو يصرفه الأستاذ إلى من يعلّمه وإنما لزم الطلب لأنه لا يجوز للمريد عند الصوفية أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم اللّه فيه . وبعد تحصيل المطلوب من العلم يسلك طريق النسك على كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والحج ، والقيام ببقية الفرائض والسنن والشرائع المسنونة " والأذكار الموصلة ، ويتعهد نفسه بكل ما يصلح جوارحه وظاهره كله ، ويلزم الخلوة والعزلة ، والصمت والجوع حتى يتطهر باطنه ويفرغ قلبه من كل ما سوى ربه .
وفي كل ذلك ومعه يلزم طريق الصحبة لأنها حصن من الانقلاب والرجوع عما عزم عليه 7 .
ومما هو جدير بالذكر هنا أن والمصافحة عند العهد هي لدى الصوفية من علم الرواية ، أي أنها متلقاة بطريق التسلسل من شيخ إلى شيخ حتى تصل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتلك مبالغة من رجال الطريق وحرص منهم على أن يكون طريقهم بحقائقه ورسومه مسندا إلى خير البرية صلوات اللّه وسلامه عليه ، ثم إنها ليست رسما وشكلا مستحبا فحسب وإنما هي معدودة من الأركان بحيث يلتزم بها الخلف نقلا عن السلف ووصلا بهم .
ولما كانت على هذا النحو ؛ فقد حرص كل شيخ ان يثبت النسبة لقبضته ، وأن يحفظها ويعرّفها لمريديه حتى صارت معلومة عند أبناء كل طريق بحيث يسهل ذكرها بدءا من أبعد المريدين زمنا إلى أقربهم من السلسلة ومنبعها . وعلى سبيل المثال فأبو على الدقاق شيخ القشيري يقول ( أخذت هذا الطريق عن النصرأباذى ، والنصراباذى عن الشبلي ، والشبلي عن الجنيد ، والجنيد عن السرى السقطي ، والسرى عن معروف ، ومعروف عن داود
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 594
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٥٩٤