ويقسّم الغزالي العلوم التي ليست ضرورية وتحصل في القلب في بعض الأحيان إلى قسمين : الأول هو : " الإلهام " وفيه يهجم العلم على القلب من حيث لا يدرى ، وبغير اكتساب وحيلة دليل ، وبغير تعلم . وهذا ينقسم إلى ما لا يدرى العبد كيف حصل ولا من أين حصل ، وإنما هو إلهام ونفث في الروع ؛ وهذا النوع من العلم يختص به الأصفياء والأولياء ؛ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم ، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب .
وهذا العلم يسمى وحيا وتختص به الأنبياء عليهم السلام .
أما القسم الثاني من العلوم التي ليست ضرورية وتحصل في القلب في بعض الأحيان فهي تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم ، وفيها يكون القلب مستعدا لأن تنجلى فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها ، وإنما حيل بينه وبينها بأسباب معينة ؛ وهذا النوع من العلم يختص به العلماء 17 .
هذا ، ويقسم بعض الصوفية " العلم " إلى نوعين : ظاهر ، وباطن .
أما العلم الظاهر ، فهو علم الشرائع التي يأتي بها الأنبياء إلى أممهم . وأما العلم الباطن ، فهو علم الحقيقة ، وهو الذي يعلمه الأولياء .
فابن عربى يفسر قول الخضر لموسى :
ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
( الكهف : 68 ) بقوله :
" أي أنى على علم لم يحصل لك عن ذوق ، كما أنت على علم لا أعلمه أنا " 18 .
ويظهر من جميع ما أورده " ابن عربى " من قصة موسى مع الخضر ، والطريقة التي خرّج بها الآيات الواردة عنهما في سورة الكهف ، أنه يستعمل الاسمين رمزا لصاحبي نوعين من العلم : العلم الظاهر الذي يأتي به الأنبياء إلى أممهم ، وهو علم الشرائع ؛ والعلم الباطن الذي يعلمه الأولياء ، وهو علم الحقيقة .
ويقول " القاشاني " في شرحه لفصوص الحكم : " اعلم أن الخضر ، عليه السلام ، صورة اسم اللّه الباطن ، ومقامه مقام الروح ، وله الولاية والغيب وأسرار القدر ، وعلوم الهوية والأنية والعلوم اللدنية . . وأما موسى عليه السلام فهو صورة اسم اللّه الظاهر وله علوم الرسالة والنبوة والتشريع " 19 .
والذي يتفحص كلام " ابن عربى " و " القاشاني " سوف يجد فيه مسحة " إسماعيلية " ظاهرة ، وذلك من خلال