والعلم الحاصل عن الوحي يسمى علما نبويا ، والذي يحصل عن الإلهام يسمى علما لدنيا ؛ والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري .
فالوحي حلية الأنبياء ، والإلهام زينة الأولياء ، فالولي دون النبي ، فكذلك الإلهام دون الوحي 21 .
ويرى " الغزالي " أن العلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية ، كما كان للخضر عليه السلام ، حيث أخبر اللّه تعالى عنه فقال :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
.
فإذا أراد اللّه سبحانه بعبد خيرا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هي اللوح ، فتظهر فيها أسرار بعض المكنونات ، وانتقش فيها معاني تلك المكنونات ؛ فتعبر النفس عنها كما تشاء لمن يشاء من عباده .
وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني ، وما لم يبلغ الإنسان هذه المرتبة لا يكون حكيما ، لأن الحكمة من مواهب اللّه تعالى :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
( البقرة : 269 ) ؛ وذلك لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل وتعب التعليم ، فيتعلمون قليلا ويعلمون كثيرا .
ومما لا ريب فيه أن الوحي قد انقطع وباب الرسالة قد انسد ، أما باب الإلهام فلا ينسد " 22 .
ويتحدث " الغزالي " عن خطوات العلم اللدني ، فيقول : " العلم اللدني ، وهو سريان نور الإلهام ، يكون بعد التسوية ، كما قال اللّه تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
( الشمس : 7 ) ؛ وهذا الرجوع يكون بثلاثة وجوه :
الأول : تحصيل العلوم جميعها وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها .
الثاني : الرياضة الصادقة ، والمراقبة الصحيحة ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم أشار إلى هذه الحقيقة فقال : ( من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم ) ( أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه ) .
والثالث : التفكر ؛ فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم ، ثم تتفكر في معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها باب الغيب ، كالتاجر الذي يتصرف في ماله بشرط التصرف ( السليم ) ينفتح عليه أبواب الربح ، وإذا سلك طريق الخطأ يقع في مهالك الخسران . فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير من ذوى الألباب ،