تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
حديثهما عن " الظاهر " و " الباطن " .

د ) طرق تحصيل العلم :

العلم الإنسانى - عند الغزالي - يحصل من طريقين : أحدهما : التعلم الإنسانى ، والثاني : التعلم الرباني . أما التعلم الإنسانى ، وهو طريق معروف يقر به جميع العقلاء ، فإنه يكون على وجهين : أحدهما : من خارج ، وهو التحصيل بالتعلم ؛ وثانيهما : من داخل ، وهو الاشتغال بالتفكر ، والتفكر من الباطن بمنزلة التعلم من الظاهر . وبعض الناس يحصلون العلوم بالتعلم ، وبعضهم يحصلون بالتفكر ، ولا ريب أن التعلم يحتاج إلى التفكر . فالتعلم أو التعليم الإنسانى اكتسابى ، قوامه الفطرة الصحيحة ، والاستعداد للتلقى والتعلم والتعليم القائم على الكتاب والسنة من المربى السليم ذي القدوة الحسنة ، وهو طريق معروف معهود ، ومسلك محسوس " 20 . أما التعليم الرباني ، وهو الطريق الثاني ، فإنه على وجهين أو نوعين : الأول : إلقاء الوحي ؛ فالنفس إذا أكملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ، ودرن الحرص والآمال الفانية ، فإنها تقبل بوجهها على بارئها سبحانه ، وتتمسك بوجود مبدعها ، وتعتمد على إفادته وفيض نوره ، واللّه تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليا ، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس ، وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر ؛ ومصداق هذا قوله تعالى لنبيه : صلى اللّه عليه وسلم
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
( النساء : 113 ) . فعلم الأنبياء أشرف مرتبة لأن حصوله عن اللّه تعالى بلا واسطة ووسيلة ، وإنما هو الضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف . ومن هنا فقد تقرر عند العقلاء أن العلم الغيبي المتولد عن الوحي أقوى وأكمل من العلوم المكتسبة ، وصار علم الوحي إرث الأنبياء وحق الرسل ، وأغلق اللّه سبحانه باب الوحي من عهد سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم . وإنما كان علمه أكمل وأشرف وأقوى لأنه عن التعلم الرباني ، وما اشتغل قط بالتعلم والتعليم الإنسانى . قال تعالى :
عَلَّمَهُ ، شَدِيدُ الْقُوى
( النجم : 5 ) . أما الوجه الثاني فهو الإلهام ، وهو يحصل للنفس على قدر صفائها وقبولها وقوة استعدادها ، والإلهام أثر الوحي ؛ فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي ، والإلهام هو تعريضه .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 585 | محمود حمدي زقزوق