لابد من طريق يتوصل به إلى اكتساب تلك العلوم ، وهذا الطريق على قسمين :
أحدهما : أن يتكلف الإنسان تركب تلك العلوم البديهية النظرية حتى يتوصل بتركبها إلى استعلام المجهولات . وهذا الطريق هو المسمى بالنظر والتفكر والتدبر والتأمل والتروي والاستدلال ، ويتم بالجهد والطلب . أما الثاني : فهو أن يسعى الإنسان بوساطة الرياضات والمجاهدات حتى تشرق الأنوار الإلهية في جوهر العقل ، وتحصل المعارف وتكمل العلوم من غير واسطة سعى وطلب في التفكر والتأمل ، وهذا هو المسمى بالعلوم اللدنية " 13 .
فالنفس الإنسانية جواهرها مختلفة بالماهية ، فقد تكون النفس نفسا مشرقة نورانية إلهية علوية ، قليلة التعلق بالجواذب البدنية والنوازع الجسمانية ، فهي شديدة الاستعداد لقبول التجليات القدسية والأنوار الإلهية ، ومن ثم تفيض عليها من عالم الغيب تلك الأنوار على سبيل الكمال والتمام ، وهذا هو المراد بالعلم اللدني ، وهو المراد من قوله تعالى :
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
. أما النفس التي لم يصف جوهرها ولم يشرق عنصرها فهي النفس الناقصة البليدة ، التي لا يمكنها تحصيل المعارف والعلوم إلا بمتوسط بشرى يحتال في تعليمه وتعلمه " 14 .
ومن جهة أخرى ينقسم العلم إلى شرعي ، وإلى عقلي ، والشرعي ينقسم إلى ما هو علمي وهو ما يسمى بالأصول ، وهو علم التوحيد وعلم التفسير وعلم الحديث ، وإلى ما هو عملي وهو علم الفروع ، وهو علم الفقه وعلم الأخلاق ؛ أما العقلي فهو العلم الرياضى والطبيعي ، والنظر في الموجود والصانع . . الخ . وأكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها ، وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها " 15 .
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ ، نُوراً فَما لَهُ ، مِنْ نُورٍ
( النور : 40 ) .
فالعلوم الشرعية هي المأخوذة بطريق التقليد عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وتحصل بالتعلم لكتاب اللّه تعالى وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم .
أما العلوم العقلية فهي ما تقضى به غريزة العقل ، وغير كافية في سلامة القلب ، وهي إما ضرورية لا يدرى من أين حصلت ولا كيف حصلت ، أو مكتسبة بالتعلم والاستدلال ، وهي دنيوية وأخروية " 16 .