تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
بل يقصر العقل عنه ، ولا يجوز أن يكاشف بأن اللّه سيخلق - غدا - مثل نفسه ، فإن ذلك يحيله العقل . . . ومن صدق بمثل هذا المحال فقد انخلع عن غريزة العقل ، ولم يتميز عنده ما يعلم ، عما لا يعلم " 60 ، ثم يقول الغزالي : إن من لم يفرق بين ما هو مستحيل في نظر العقل وبين ما هو فوق مستوى العقل يوصف بأنه ناقص العقل ، وأنه أخس من أن يخاطب ، فليترك وجهله 61 . ولعل الغزالي قد قال بهذه التفرقة حتى لا يغلق الباب أمام الكرامات التي يجوز أن يظهرها اللّه على أيدي الأولياء . والقول بجوازها ، بل بوقوعها هو رأى السلف أهل السنة ، ورأى كثير من الفرق الكلامية كالأشاعرة والماتريدية ونحوهم . وقد دعا بعض الصوفية خصوم التصوف إلى ألا يرفضوا ما يأتي من المعارف في كشوف الأولياء ، دون فحص أو تأمل ، بل إن عليهم أن يتأملوها ويدرسوها بعناية ، فإن وجدوا فيها من الخواطر ما لا يحكم العقل باستحالته فلا داعى لرفضها ، بل إنهم مخيرون في قبولها أو رفضها فإن كانت حالة القائل تقتضى العدالة فإن قبولها لا يؤدى إلى ضرر ، فإذا لم يكن عادلا فإن علينا أن ننظر إلى هذا الذي قاله في ذاته ، فإن كان الذي أخبر به حقّا بوجه ما فإن لنا أن نقبله ، وإلا تركناه 62 . 4 ) وكان من الشروط التي تحدث عنها الصوفية على أن من رزق من هذه المعرفة نصيبا ألا يتكلف إظهار هذا الذي رزقه ، ومن ثم فإن الذين يتعمدون إظهار هذا العلم يكونون أهلا للملام والعتاب ؛ لأن الإظهار هنا طريق إلى الشهرة ، وجلب الأموال ، وطلب الرئاسة ، واتخاذ المنزلة عند الخلق ، ثم إنه طريق إلى الاستعلاء والتميز عن المريدين والسالكين . وهذا باب من أكبر أبواب الدنيا ، ومن أكثرها ضررا على مريدى الآخرة ، وهو مزلق من مزالق الغرور 63 . وعلى صاحب هذا الكشف - بدلا من ذلك - أن يديم التضرع إلى اللّه تعالى أن يحفظ عليه التوفيق والهداية ، لأن القلب خزانة من خزائن اللّه تعالى ، وهو خاضع لمشيئته ، فقد يحجر اللّه عليه ما سبق أن أبداه اللّه إليه ، وقد يسوق إليه خواطر الشر بدلا من خواطر الخير ، فالقلوب بيده ، يقلبها كيف يشاء ، وهو يحول بين المرء وقلبه إذا أراد 64 .