تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
المعنى يقول الشاعر :
لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها
وقد كان شيوخ الصوفية يلقنون مريديهم هذه الحجة ، ليردوا بها على من ينكر علومهم أو يستغربها " فإن تعرض لك أيها الأخ المسترشد من ينفرك من الطريق ويقول لك : طالبهم بالدليل والبرهان ، فأعرض عنه وقل له مجاوبا . . . ما الدليل على حلاوة العسل ، فلابد أن يقول لك : هذا علم لا يحصل إلا بالذوق ، فلا يدخل تحت حد ولا يقوم عليه دليل ، فقل له : وهذا علم الصوفية مثل ذلك " ، ومعنى ذلك أن التجربة الصوفية - وما يترتب عليها من معرفة - ليست محتاجة إلى دليل من خارجها ، بل إن دليلها يرجع إليها ، ويستخلص منها ، فهي شاهد نفسها ، ووجودها ذاته خير برهان على صدقها ، ومعنى ذلك أن على المنكرين لهذا النوع من المعرفة أن يسلموا به ، وأن يذعنوا له لعجزهم عن معرفة كنهه وطبيعته ، فإذا لم يقنعوا بهذا التسليم فإن عليهم أن يجربوا بأنفسهم تحقيقه ، وعند ذلك سيحدث لهم مثل ما حدث لهؤلاء الصوفية ، وهم عندئذ سيكونون أهل تحقيق ومشاهدة ، لا أهل سماع أو مشافهة ، ومن الواصلين للعين كما يقول ابن سينا دون السامعين للأثر 66 ، وقد ذكر بعض الصوفية من خارج التصوف الإسلامي ما يؤيد هذه الخاصية ، حيث ذكروا أنه كلما كانت المعرفة أرق وأدق وأصفى وأكثر بساطة كانت أكثر غموضا في نظر العقل ، أما إذا كانت أقل صفاء وبساطة فإنها تكون أكثر قبولا لديه ، وهي - في هذا - تشبه شعاع الشمس ، فإذا كان الشعاع صافيا غير مختلط بذرات الهباء والغبار لم تتمكن العين من رؤيته ، أما إذا كان مختلطا بالشوائب فإنها تتمكن من إدراكه ، وقد كانت تلك الخاصية سببا في لجوء الصوفية إلى الرموز والتشبيهات والأمثال عند حديثهم عن هذه المعرفة ، حتى يجعلوها قريبة - بعض القرب - إلى العقول والأفهام . ج ) تتصف هذه المعرفة بالوثاقة واليقين والثبات ، وصاحبها لا يحتاج إلى برهان خارجي على صدقها ؛ لأنها عنده نوع من الشهود والرؤية المباشرة ، ومن ثم فإنها ليست محتملة للشك ، بل إن هذه المعرفة يكون لها من الهيمنة على صاحبها ما يجعله مضطرا إلى الإذعان لها والإقرار